كشفت بيانات البورصة المصرية تسجيل تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي، حيث بلغت صافي بيع قدره 232 مليون دولار في بداية تعاملات اليوم داخل مصر، لتتواصل موجة التخارج لليوم الثالث على التوالي وتدفع الدولار الأمريكي إلى الاقتراب مجددا من مستوى 54 جنيها أمام الجنيه.
فضحت هذه الحركة هشاشة سياسة مالية ربطت استقرار العملة بتدفقات سريعة لا تبني إنتاجا ولا تصنع تصديرا، ثم تركت المصريين أمام سعر صرف يرتفع بمجرد خروج المستثمر الأجنبي من أدوات الدين، بينما تواصل الحكومة تسويق الاستقرار كإنجاز قابل للانهيار في جلسة واحدة.
خروج متكرر من أدوات الدين يكشف هشاشة الاستقرار
بدأت موجة الضغط الجديدة عندما سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع قدره 471 مليون دولار أول أمس الاثنين، ثم جاءت بداية تعاملات أمس الثلاثاء بصافي بيع جديد قدره 232 مليون دولار، ما جعل التخارج مستمرا لليوم الثالث على التوالي.
وتزامن هذا الخروج مع تحول واضح بعد شهر أبريل، إذ سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق نفسها صافي شراء قدره 2,3 مليار دولار خلال الشهر الماضي، قبل أن تنقلب الحركة إلى بيع متكرر يكشف أن التدفقات لم تكن استثمارا مستقرا بل أموالا تبحث عن العائد السريع.
وأوضح ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، أن توسع مصر في الاعتماد على الأموال الساخنة جلب دولارات للسوق لكنه حمل تكلفة باهظة بسبب الفائدة العالية على أدوات الدين، وتخدم شهادته هذا المحور لأنها تربط بين سياسة الاقتراض المحلي وخطر الهروب المفاجئ.
وبذلك لا يمكن فصل خروج 232 مليون دولار اليوم عن بنية كاملة صنعتها الحكومة، حيث جذبت الأموال عبر الفائدة وأدوات الدين، ثم عادت السوق لتدفع الثمن عند أول موجة بيع، بينما يظل الإنتاج الحقيقي غائبا عن موقعه الطبيعي في حماية الجنيه.
صعود الدولار ينسف رواية التعافي السهل
انتقل أثر التخارج سريعا إلى سوق الصرف، إذ اقترب الدولار من مستوى 54 جنيها خلال تعاملات اليوم، وسجل بنك نكست أعلى سعر عند 53,75 جنيه للشراء و53,85 جنيه للبيع، في إشارة مباشرة إلى حساسية الجنيه أمام خروج الأموال قصيرة الأجل.
كما سجل أقل سعر لدى بنك الإمارات دبي الوطني وبنك الإسكندرية عند 53,57 جنيه للشراء و53,67 جنيه للبيع، بينما سجلت بنوك الأهلي المصري ومصر والعربي الأفريقي والتجاري الدولي والمصري الخليجي وفيصل الإسلامي والتعمير والإسكان وقناة السويس والتنمية الصناعية وميد بنك 53,67 جنيه للشراء و53,77 جنيه للبيع.
وحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ سعر الدولار 53,68 جنيه للشراء و53,82 جنيه للبيع، وهو مستوى ينسف رواية التعافي السهل بعد أداء 2025، عندما ارتفع الجنيه بنسبة 6,7% أمام الدولار بدعم من تحويلات المصريين بالخارج واستعادة السيولة في القطاع المصرفي.
هنا يحذر مصطفى عبدالسلام، الخبير الاقتصادي، من أن قفزات الدولار ترتبط بهروب الأموال الساخنة وارتباك تدفقات النقد الأجنبي، وتخدم رؤيته هذا العنوان لأنها تضع سعر الصرف في موقعه الحقيقي كمرآة لاعتماد الحكومة على الأموال المتحركة لا مصادر الدولار الدائمة.
رهان الحكومة على الأموال الساخنة يهدد الجنيه والمواطن
امتد أثر الأزمة من شاشة البنوك إلى حياة الناس، لأن ارتفاع الدولار يضغط على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وخدمة الدين، بينما لا يملك المواطن حماية من موجات صرف تصنعها قرارات مالية فضلت جذب المستثمر الأجنبي بالفائدة على بناء اقتصاد منتج.
فيما تظهر الأرقام أن الحكومة احتفت في أبريل بصافي شراء قدره 2,3 مليار دولار، فإن خروج 471 مليون دولار أمس ثم 232 مليون دولار اليوم يكشف سرعة انقلاب المزاج الاستثماري، ويؤكد أن الأموال الساخنة لا تمنح استقرارا بقدر ما تمنح مهلة قصيرة قبل صدمة جديدة.
ويربط هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، أثر الأموال الساخنة بطريقة استخدامها داخل الاقتصاد، إذ يرى أن فائدتها تتوقف على توجيهها للإنتاج واستيراد الخامات ومستلزمات التصنيع لا الاكتفاء بتمويل أدوات الدين، وتخدم شهادته هذا المحور لأنها تفضح الفارق بين التمويل المنتج والاقتراض الجذاب للفائدة.
لهذا يصبح اقتراب الدولار من 54 جنيها نتيجة متوقعة لا مفاجأة، لأن الحكومة صنعت سوقا تتأثر بتصرفات العرب والأجانب في الدين الحكومي أكثر مما تتأثر بزيادة إنتاج أو صادرات، ثم قدمت هشاشة العملة للمواطن باعتبارها قدرا اقتصاديا لا نتيجة سياسية مباشرة.
وفي الأخير تؤكد موجة البيع الجديدة أن الجنيه المصري لم يخرج من دائرة الخطر، لأن صافي بيع 232 مليون دولار في بداية تعاملات اليوم جاء بعد بيع 471 مليون دولار أمس، وبعد أيام قليلة من صافي شراء كبير في أبريل، ما يعني أن الاستقرار الحالي معلّق بحركة مستثمر لا يقيم في السوق.
وتبقى الخلاصة أن الحكومة لا تواجه أزمة عابرة في سعر الصرف، بل تحصد نتيجة رهان طويل على الأموال الساخنة، فالدولار يقترب من 54 جنيها، والدين الحكومي يفقد تدفقات أجنبية، والمواطن يدفع فرق السعر في الغذاء والدواء والمواصلات بينما تستمر السلطة في تدوير الأزمة.

