كشفت مصادر في قطاع الطيران المصري أن شركات الطيران الخاصة قلصت رحلاتها الخارجية بنسبة تتراوح بين 50 و60% داخل مصر بعد صعود سعر طن وقود الطائرات من 800 دولار في فبراير إلى نحو 1700 دولار حاليا، لتتحول أزمة الوقود إلى خفض مباشر في التشغيل ورفع قاس لأسعار التذاكر.
حذرت هذه الأرقام من نتيجة سياسية واقتصادية واضحة، إذ دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فاتورة الطاقة إلى قطاع هش أصلا، بينما تركت الحكومة شركات الطيران الخاصة تواجه الصدمة عبر تقليص الرحلات وتحميل المسافرين الزيادة بدلا من تقديم خطة حماية للقطاع والسياحة الوافدة.
قفزة الوقود تكشف هشاشة تشغيل الطيران الخاص
بدأت الأزمة من ارتفاع أسعار الوقود التي تمثل بين 38 و45% من تكلفة الرحلة الواحدة، وهي نسبة تجعل أي ارتفاع حاد في السعر كفيلا بإرباك جدول التشغيل، لأن الأجور ورسوم الإقلاع والهبوط والمرور والخدمات الأرضية لا تمنح الشركات مساحة كافية لامتصاص الصدمة.
ثم جاءت زيادة الوقود بنحو 125% منذ اندلاع الحرب لتدفع شركات الطيران الخاصة إلى خفض الرحلات الخارجية، لأن تشغيل الطائرة بسعر وقود مضاعف يعني أن الرحلة قد تخسر قبل أن تقلع، خصوصا مع تراجع القدرة على تعديل حجوزات قديمة تمت بأسعار يناير.
وأوضح يسري عبدالوهاب، الرئيس السابق لاتحاد النقل الجوي المصري، أن ارتفاع أسعار الوقود يضغط مباشرة على أسعار تذاكر الطيران ويؤثر على السياحة، وتخدم هذه القراءة محور التشغيل لأنها تربط بين سعر الطاقة وتراجع قدرة الشركات على الحفاظ على الرحلات المنتظمة.
في هذا السياق لا تظهر الأزمة كحادث عابر في سوق الطيران، بل كاختبار فشلت فيه السياسات الرسمية، لأن الحكومة التي تتحدث عن جذب السياحة لا توفر آلية سريعة لحماية شركات تحمل جزءا من التدفقات الوافدة وتعمل بأسطول محدود لا يحتمل صدمات طويلة.
الدولة تركت المسافر والشركة يتصارعان داخل فاتورة واحدة
في المقابل اتجهت شركات إلى رفع أسعار التذاكر بين 25 و30% على حجوزات اللحظات الأخيرة، بينما لجأت شركة النيل للطيران إلى التعاون مع إيركايرو في تحميل الركاب عند الحاجة، وهو حل تشغيلي اضطراري يعكس ضغطا ماليا لا تعترف به الحكومة إلا عبر الصمت.
كذلك رفعت بعض الشركات سعر التذكرة ذهابا وإيابا بنحو 60 دولارا، وقررت شركات أخرى توزيع الزيادة عبر رسوم الوقود على التذاكر الجديدة، لكن هذا المسار يحتاج إلى موافقة مصلحة الضرائب ويستغرق وقتا طويلا، ما يجعل البيروقراطية شريكا في تعميق الخسائر.
رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، يرى أن ربط ارتفاع أسعار المواد البترولية بالتطورات الجيوسياسية واضطراب مناطق إنتاج ونقل الطاقة، وتخدم شهادته هنا محور التكلفة لأنها تكشف أن الأزمة ليست محلية فقط، لكنها تصبح أشد داخل مصر بسبب غياب أدوات امتصاص حكومية.
وبينما تحاول الشركات الوصول إلى نقطة التعادل عبر رسوم الوقود، يدفع الراكب الثمن في صورة تذكرة أغلى وخيارات أقل، لأن الدولة نقلت عبء الحرب وسعر الطاقة والرسوم الإدارية إلى السوق، ثم تركت الراكب أو المسافر والشركة يتصارعان داخل فاتورة واحدة.
السياحة الوافدة مهددة مع تراجع أسطول محدود أصلا
على مستوى الأسطول تعمل شركات الطيران الخاص في مصر بنحو 65 طائرة من طرازات مختلفة أبرزها إيرباص 320 بسعة تتراوح بين 177 و180 مقعدا، وهو حجم لا يسمح بمناورة واسعة عندما تتزامن زيادة الوقود مع انخفاض الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل.
لذلك تبدو حصة الطيران الخاص من التدفقات السياحية الوافدة، التي تتراوح بين 12 و15% سنويا، معرضة لضغط مباشر، لأن خفض الرحلات الخارجية يعني تراجع مقاعد متاحة أمام السياح، بينما كانت الخطط الرسمية تستهدف رفع الحصة إلى أكثر من 25% بحلول 2028.
ويؤكد إلهامي الزيات، الخبير السياحي، في مداخلاته العامة أهمية جودة السائحين وقدرتهم على الإنفاق وأهمية الطيران في حركة السياحة، وتخدم رؤيته هذا المحور لأن تقليص الرحلات لا يضرب الشركات وحدها، بل يضغط على الفنادق والمقاصد والإنفاق السياحي.
وعلى هذا الأساس يصبح حديث الحكومة عن تعظيم السياحة بلا قيمة عملية عندما تترك شركات الطيران الخاصة أمام وقود قفز إلى 1700 دولار للطن، لأن المقعد السياحي لا يأتي بالبيانات الرسمية، بل يأتي برحلة منتظمة وسعر قابل للبيع وسوق لا تخنقه الرسوم.
في النهاية تكشف أزمة شركات الطيران الخاصة في مصر أن الحكومة تتعامل مع قطاع حساس بمنطق رد الفعل، لا بمنطق إدارة المخاطر، فالشركات تقلص 50% و60% من رحلاتها، والركاب يدفعون زيادات تصل إلى 30%، والسياحة تخسر مقاعد كان يفترض أن تحمل عائدا دولاريًا.
وتبقى الخلاصة الأكثر قسوة أن ارتفاع وقود الطائرات لم يصنع الأزمة وحده، بل كشفها، لأن قطاعا يعمل بنحو 65 طائرة ويساهم بما يصل إلى 15% من التدفقات السياحية لا يجد أمامه عند أول صدمة إلا خفض الرحلات ورفع التذاكر وانتظار موافقات ضريبية بطيئة.

