أعلنت الحكومة عبر تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مؤتمر صحفي بالقاهرة يوم الأربعاء 6 مايو 2026 أنها تدرس بدء تطبيق نظام للدعم النقدي اعتبارًا من العام المالي الجديد 2026-2027 على منظومة التموين مع وعد بإعلان خريطة التنفيذ قريبًا بالتنسيق مع وزارتي التموين والتضامن بما يعني فتح الباب لتحويل الدعم العيني إلى مبالغ نقدية في وقت تتصاعد فيه أسعار الغذاء والسلع الأساسية للمواطنين.
جاء إعلان مدبولي بينما يواجه المصريون موجة غلاء تضرب الطعام قبل أي شيء وتضغط على أسر تعتمد على بطاقة التموين كآخر شبكة أمان ومع اتساع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة يصبح الحديث عن دعم نقدي مجردًا من ضمانات ضبط الأسعار خطوة تحمل مخاوف مباشرة من ذوبان قيمة المبلغ أمام الزيادات المتتالية ثم تحميل الأسر مسؤولية تدبير احتياجاتها وحدها.
ضغط الأسعار على الغذاء يبتلع قيمة الدعم قبل وصولها للمائدة
وفي السوق تتحول أرقام الأسعار إلى اختبار يومي لقدرة الأسر على الشراء لأن سلعًا مثل السكر والزيت والدقيق والمكرونة لم تعد مجرد بنود على قوائم بل أصبحت معيارًا لقياس تآكل القدرة الشرائية ومع كل قفزة في الغذاء تتراجع فعالية أي دعم ثابت وتزداد احتمالات أن يصبح الدعم النقدي ورقة بلا وزن أمام تضخم يسبق قرارات الحكومة بخطوات.
كما أن قوائم الأسعار الرسمية للسلع التموينية تظهر أسعارًا محددة للزيت والسكر والدقيق وغيرها لكنها لا تلغي واقع أن المواطن يقارن بين ما يحصل عليه على البطاقة وبين أسعار السوق المفتوح ثم يكتشف أن الفارق يتغير أسرع من قدرة الدعم على اللحاق به وبذلك يتحول الحديث عن حرية الاختيار إلى عبء اختيار بين الضروري والأشد ضرورة.
وبالتزامن مع هذا المشهد يحذر اقتصاديون من أن نقل الدعم إلى النقد دون آلية مراجعة سريعة لقيمته يجعل المبلغ يتآكل شهريًا لأن الغذاء هو القطاع الأكثر حساسية للصدمات ومع صعوبة ضبط الأسواق يصبح المستفيد هو من يملك دخلًا إضافيًا لا من ينتظر دعمًا ثابتًا في مواجهة أسعار تتحرك بلا سقف واضح.
إضافة إلى ذلك يرى هاني جنينة أن المقارنة بين الدعم السلعي والدعم النقدي لا معنى لها إذا غابت الحماية من التضخم لأن الفكرة قد تبدو أكثر كفاءة على الورق لكنها تصبح أكثر قسوة على الأرض عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية أسرع من تعديل قيمة المبلغ ما يضع الأسرة أمام واقع أن الدعم يتحول إلى رقم لا يشتري ما كان يشتريه بالأمس.
في المقابل يربط الخبير المصرفي محمد عبدالعال بين ضغوط الموازنة وبين اتجاهات الحكومة نحو تقليل أعباء الإنفاق لأن تكلفة خدمة الدين تُستخدم دائمًا كمبرر لإعادة ترتيب أولويات الدعم وهو ما يجعل التحول إلى النقد خطرًا إذا تم التعامل معه كأداة محاسبية لتخفيف العبء المالي لا كالتزام اجتماعي يحافظ على قدرة المواطن على شراء غذائه.
كيف تبرر الحكومة التحول وما الذي تغفله في ضمانات التنفيذ
وعلى صعيد الحكومة يكرر وزير التموين شريف فاروق أن الهدف من التحول هو مصلحة المواطن عبر منحه حرية اختيار السلع وعدم إلزامه بسلة محددة مع حديث عن قاعدة بيانات دقيقة تضمن وصول الدعم لمستحقيه لكن هذا الخطاب يتجاهل أن الحرية وحدها لا تحمي من الغلاء وأن السوق عندما يشتعل تصبح حرية الاختيار مجرد انتقال من طابور التموين إلى طابور الأسعار.
ومن جهة أخرى تقدم الحكومة التحول بوصفه تطويرًا للمنظومة وتحسينًا للجودة وتوسيعًا للمنافذ وزيادة المنافسة بين جهات الصرف لكن التجربة اليومية للمواطن تقول إن المنافسة لا تعمل في سوق يعاني تقلبات أسعار واعتمادًا كبيرًا على الاستيراد وغياب قدرة رقابية فعالة على ضبط حلقات التداول من الجملة إلى التجزئة.
ولاحقًا تبرز نقطة حساسة في مسار الإعلان الحكومي وهي أن موعد التطبيق يأتي مع بداية عام مالي جديد يبدأ في يوليو وهو توقيت يتزامن عادة مع تغييرات مالية ورسوم وتكاليف خدمية ما يضاعف أثر الغلاء على الغذاء لأن الأسرة لا تواجه بندًا واحدًا بل موجة أعباء متزامنة تجعل أي مبلغ دعم ثابت معرضًا للذوبان سريعًا.
وبموازاة ذلك يشرح وليد جاب الله أن الدعم النقدي قد يقلل الهدر ويمنع تسرب السلع ويمنح المستفيد مرونة أكبر لكنه يشترط وجود ضوابط واضحة ومراجعة مستمرة للقيمة وربطها بتغيرات الأسعار وهو شرط يصبح جوهريًا في مصر لأن الغذاء يتحرك بسرعة ولأن أي فجوة بين القيمة والأسعار تعني نقل الأزمة إلى جيب المواطن.
بعد ذلك يلفت السياسي ثروت نافع إلى أن أي إصلاح اقتصادي واسع يحتاج مناخًا سياسيًا صحيًا وضمانات شفافية ومحاسبة لأن السياسات التي تمس لقمة العيش لا يمكن تمريرها بقرارات فوقية ثم مطالبة المجتمع بالثقة في نتائجها وفي ملف التموين تحديدًا تصبح الشفافية ضرورة لأن المواطن يتعامل مع حق أساسي لا منحة قابلة للتبديل.
مخاطر الاستبعاد والتسعير ومن يدفع ثمن التحول إذا غابت الرقابة
وأخيرًا يظهر جوهر المخاوف في أن التحول إلى دعم نقدي قد يتحول إلى باب لتقليص المستفيدين أو تثبيت قيمة لا تتحرك مع الغلاء لأن التجارب الحكومية السابقة في ملفات الأسعار تجعل المواطن يتوقع أن تُترك السوق لتسعير الغذاء ثم يُطلب من الأسر التكيف بما لديها دون حماية كافية وهو ما يوسع الفجوة الاجتماعية بدل تضييقها.
ختامًا تبدو خطوة مدبولي في هذا التوقيت محاولة لإعادة تشكيل منظومة الدعم تحت ضغط الموازنة بينما يسبق الغلاء أي صياغات رسمية ويضرب الغذاء أولًا ومع غياب ضمانات ربط قيمة الدعم بتغير الأسعار ووجود رقابة حقيقية على الأسواق يصبح التحول إلى النقد مخاطرة اجتماعية تمس ملايين الأسر وقد تفتح مرحلة جديدة من تحميل الفقراء فاتورة السياسات بدل حمايتهم منها.

