لا يخفى أن قطاعًا كبيرًا من المصريين أصبح يرزح تحت خط الفقر، وهي الشريحة التي تتسع وتتزايد رقعتها يومًا بعد آخر، في ظل سياسة حكومة الانقلاب القائمة في الأساس على الاقتراض من الدول والمؤسسات الدولية، علاوة على القروض الداخلية، وهو الأمر الذي كانت له انعكاساته على حياة المواطنين في مصر، بعد أن ارتفع الدولار إلى أكثر من 10 أضعاف أمام الجنيه خلال الـ 13 عامًا الأخيرة تحت حكم الانقلاب. 

 

ومع تآكل القيمة الشرائية للجنيه، وتدني الأجور، أعاد المصريون تشكيل أولوياتهم وترتيب احتياجاتهم الأساسية، وأصبح توفير الغذاء هو الهم الأساسي لهم، في ظل موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، التي باتت الغالبية العظمى من المصريين عاجزة عن مواكبتها، في سباق يومي أرهق المواطنين محدودي الدخل بشكل خاص، بعد أن بات عاجزًا عن تلبية الاحتياجات المعيشية الضرورية.

 

وعلى الرغم من أن الدعم العيني تراجع إلى حد كبير خلال السنوات الأخيرة، بعد العمل بنظام المخصصات، من خلال منح المواطن ما قيمته 50 جنيهًا شهريًا، لشراء السلعة التي يرغب فيها من المتاجر التموينية، إلا أنه وكما يقول المصريون: "نوايا تسند الزير"، فهي تخفف عنهم ولو قليلاً من المعاناة اليومية في سبيل توفير "لقمة العيش"، وعيش حياة كريمة، دون أن تنتهك آدميتهم أو تحتقر إنسانيتهم.

 

تطبيق الدعم النقدي

 

لكن يبدو أن هذا الأمر سيحرمون منه في القريب، بعد أن مهدت حكومة الانقلاب لذلك، بإعلانها اعتزامها تطبيق الدعم النقدي في العام المالي الجديد 26/27، وهي خطوة ينظر إليها كثير من المحللين على أنها بمثابة تمهيد لإلغاء الدعم في مصر، في خطوة تمثل تهديدًا حقيقيِا لملايين المصريين الذين تتدهور مستويات معيشتهم، بينما يوفر لهم نظام الدعم التمويني حدًا أدنى من السلع الأساسية، التي تحميهم من الوقوع تحت خط الجوع (خط الفقر المدقع). 

 

لذلك، فإن التحول إلى الدعم النقدي بخاصة في ظل التضخم المرتفع سيؤدي إلى تآكل قيمة الدعم، بما يترتب على ذلك من زيادة للفقر واللامساواة ووضع مزيد من الضغوط على الطبقات الوسطى.

 

وعلى الرغم من أن فكرة التحول الكامل إلى الدعم النقدي مطروحة منذ سنوات، فإن التفكير في تطبيقها في الظروف الاقتصادية الحالية يضاعف من آثارها السلبية على المستفيدين وعلى الاقتصاد ككل، ولا يحقق للحكومة الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من ورائها.

 

وتقول المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن التحول من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي يضحى باعتبارات تحقيق الأمن الغذائي ويعرض المواطنين لمزيد من الإفقار، دون أن يحقق للحكومة الأهداف التي تسعى إليها. 

 

اشتراطات الدعم النقدي 

 

وفي ظل التحفظ الواسع على تطبيق هذا النظام، فإن ذلك يتطلب توفير مجموعة من الاشتراطات كما أشار أحمد جلال وزير المالية الأسبق بحكومة الانقلاب، من بينها: 

 

أولاً: ضرورة القيام بحصر دقيق للفقراء، بناء على قاعدة بيانات دقيقة ومرنة، وإعداد خطة تضمن ألا يترك أحد دون معونة مستحقة. 

 

ثانيًا: التأكد من أن مبلغ الدعم كاف لتلبية الاحتياجات الأساسية لمتلقيه، وأن يتم تحديد هذا المبلغ بشكل موضوعى بناء على دراسات ميدانية محايدة.

 

ثالثًا: من الضرورى تعديل هذا المبلغ سنويًا وربطه بمعدل التضخم، وليس كل ثلاث سنوات، كما هو مقترح فى مشروع قانون سبق طرحه على مجلس النواب. 

 

وحذر من أنه فى غياب استيفاء هذه الاشتراطات، فإن التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى قد تكون له آثار سلبية على الفقراء الذين يحصلون عليه الآن، وهؤلاء الذين قد ينضمون إلى المنظومة فيما بعد.

 

وتتعلق أبرز المخاوف بالتقلبات في أسعار الغذاء عالميًا، وهي الإشكالية الكبرى التي يخشاها الرافضون لتطبيق نظام الدعم النقدي؛ إذ إن القيمة الشرائية للجنيه تآكلت بشكل كبير، بعد أن تراجع إلى حد الانهيار أمام الدولار، وهو ما يثير المخاوف في حال عدم مراعاة ذلك عند التخطيط لتطبيق الدعم النقدي، عوضًا عن الدعم العيني، مما يتطلب معه أن تكون قيمة الدعم مواكبة لارتفاعات الأسعار، وذلك لضمان استمرار الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل.