يبدو أن العلاج على نفقة الدولة في مصر أصبح رحلة عذاب ومعاناة تزيد المرضى آلامًا على آلامهم وتدهورًا في صحتهم ، هذا ما كشفت عنه شكاوى المواطنين غير الخاضعين لمظلة التأمين الصحي عن تصاعد أزمة الإجراءات المعقدة لاستخراج قرارات العلاج على نفقة الدولة، بعدما اضطر آلاف المرضى إلى التنقل بين المستشفيات والتأمينات والتأمين الصحي لاستكمال أوراق وإفادات متعددة، رغم إعلان وزارة الصحة تفعيل الربط الإلكتروني لتسهيل الخدمة.

 

وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام اتهام مباشر بتحويل حق العلاج إلى مسار بيروقراطي مرهق، لأن المريض الفقير لا يواجه المرض وحده، بل يواجه طوابير وأختامًا وطلبات متكررة، بينما تتحدث الدولة عن التحول الرقمي وتبسيط الخدمات في وقت يضطر فيه المواطن للعودة أكثر من مرة لاستكمال مستندات كان يفترض أن تحصل عليها الجهات الحكومية بنفسها.

 

إجراءات معقدة تبتلع حق المرضى غير المؤمن عليهم

 

أقرت وزارة الصحة بحق المواطنين غير المؤمن عليهم في العلاج على نفقة الدولة داخل المستشفيات الحكومية والجامعية، وحددت شروطًا تشمل إثبات الجنسية المصرية وعدم وجود تغطية تأمينية وعدم القدرة على تحمل نفقات العلاج، إلى جانب إثبات أن الحالة تحتاج إلى تدخل علاجي مرتفع الكلفة.

 

كما ألزمت الوزارة المرضى بتقديم صورة بطاقة الرقم القومي وتقرير لجنة ثلاثية معتمدًا من مستشفى حكومي أو جامعي وتقريرًا طبيًا وفحوصات حديثة وبيانًا بالحالة التأمينية، وهي مستندات تتحول في الواقع إلى عبء ثقيل على المرضى محدودي الدخل وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

 

في هذا المحور، يخدم رأي الدكتور محمد حسن خليل رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة زاوية الحق الدستوري في العلاج، لأنه أكد في أكثر من مناسبة أن تعقيد الوصول إلى الخدمة الصحية يمثل شكلًا من أشكال حرمان الفقراء من العلاج حتى لو ظلت الخدمة معلنة على الورق.

 

لذلك لم تعد الأزمة مقتصرة على نقص الخدمة الطبية، بل امتدت إلى طريقة الوصول إليها، لأن المريض غير المؤمن عليه يتحرك بين أكثر من جهة للحصول على موافقات وأختام وإفادات، بينما حالته الصحية قد لا تسمح بكل هذا الانتظار والتنقل الإداري الطويل.

 

الربط الإلكتروني المعلن لا يوقف دوران المرضى

 

بناء على ذلك، تقدمت النائبة منى قشطة عضو مجلس النواب بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير الصحة بشأن تيسير إجراءات استخراج قرارات العلاج على نفقة الدولة، بعدما رصدت استمرار معاناة المواطنين رغم إعلان الوزارة الربط بين قواعد بيانات العلاج والتأمين الصحي.

 

وأوضحت النائبة أن المريض يذهب أولًا إلى المستشفى للكشف والحصول على تقرير اللجنة الثلاثية، ثم يضطر لاستخراج برينت تأميني من التأمينات الاجتماعية، وبعدها يتوجه إلى التأمين الصحي للحصول على إفادة بعدم الانتفاع، قبل العودة مجددًا إلى المستشفى لاستكمال الإجراءات.

 

في هذا الجزء، تدعم الدكتورة منى مينا وكيل نقابة الأطباء سابقًا محور أثر التأخير على المرضى، لأنها حذرت مرارًا من أن الفقير يدفع ثمن خلل الإدارة الصحية من صحته ومن دخله، خصوصًا عندما يتأخر العلاج بسبب الروتين أو نقص التنسيق بين المؤسسات الحكومية.

 

وعليه تكشف الأزمة تناقضًا واضحًا داخل خطاب الحكومة، لأنها تعلن تفعيل الربط الإلكتروني وتقليل الاعتماد على المستندات الورقية، بينما يظل المواطن مطالبًا بإحضار الأوراق بنفسه، وهو ما يحول الرقمنة إلى شعار إداري لا يشعر المريض بأي أثر حقيقي له.

 

تأخير العلاج يزيد أعباء الفقراء ويكشف فشل المنظومة

 

في المقابل، تقول وزارة الصحة إن خدمة العلاج على نفقة الدولة تستهدف الفئات غير القادرة، وإن المستشفيات ترسل الطلبات إلكترونيًا إلى المجالس الطبية المتخصصة، لكن هذا المسار لا يبدأ فعليًا إلا بعد انتهاء المريض من جمع أوراقه والتحرك بين أكثر من جهة حكومية.

 

ثم تتضاعف الأزمة مع أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة، لأن التأخير في استخراج القرار يعني تأخير العمليات أو العلاج أو شراء الأدوية، وهو ما يدفع أسرًا كثيرة إلى الاستدانة أو تقليل الجرعات أو إيقاف العلاج مؤقتًا حتى صدور الموافقة النهائية.

 

هنا يخدم رأي الدكتور خالد سمير أستاذ جراحة القلب وأمين صندوق نقابة الأطباء الأسبق محور كفاءة الإدارة الصحية، لأنه يربط جودة الخدمة بسرعة وصول المريض للعلاج، لا بعدد التعليمات الورقية أو طول الدورة الإدارية التي تسبق إصدار القرار العلاجي.

 

ومن ثم تصبح الحكومة مطالبة بتحويل المستشفى إلى نقطة خدمة واحدة تنهي كل الإجراءات داخليًا، بدل دفع المريض للانتقال بين التأمينات والتأمين الصحي والمجالس الطبية، لأن الجهات الحكومية تملك قواعد البيانات بالفعل ولا تحتاج إلى تحميل المريض عبء جمع المعلومات.

 

كذلك يحتاج ملف العلاج على نفقة الدولة إلى مدة زمنية معلنة لإنهاء كل طلب، مع إنشاء وحدات مساعدة داخل المستشفيات لتوجيه المرضى غير القادرين، لأن كثيرًا من المواطنين لا يعرفون أصلًا خطوات التقديم أو أماكن استخراج المستندات المطلوبة أو كيفية متابعة القرار.

 

أما مجلس النواب، فيجب أن يحول طلب الإحاطة إلى مساءلة حقيقية للحكومة عن سبب استمرار الإجراءات الورقية رغم إعلان التحول الرقمي، وعن عدد المرضى الذين تتأخر قرارات علاجهم، وعن حجم الشكاوى المرتبطة بعدم التنسيق بين وزارة الصحة والتأمينات والتأمين الصحي.

 

وفي الخلاصة، تكشف شكاوى المواطنين غير الخاضعين للتأمين الصحي أن العلاج على نفقة الدولة تحول من حق علاجي إلى متاهة إدارية تستنزف المرضى قبل حصولهم على الدواء أو الجراحة، ولذلك لم تعد الأزمة في نقص القرارات فقط، بل في منظومة حكومية تعلن التيسير وتنتج التعقيد نفسه كل يوم.