عاد اسم فيروس “هانتا” ليتصدر عناوين الأخبار العالمية بعد تفشٍ محدود لكنه مقلق على متن سفينة الرحلات السياحية “إم في هونديوس”، في حادثة دفعت السلطات الصحية في عدة دول إلى رفع درجات التأهب، وسط تحذيرات من خطورة بعض سلالاته النادرة، وعلى رأسها “فيروس الأنديز”، المعروف بقدرته المحدودة على الانتقال بين البشر.

 

وبينما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوضع لا يشبه جائحة فيروس كورونا كوفيد-19 وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً للغاية، فإن ظهور إصابات ووفيات في أكثر من دولة أعاد إلى الأذهان مشاهد القلق العالمي من الفيروسات الناشئة، خاصة مع غياب أي لقاح أو علاج مباشر حتى الآن.

 

صعوبة اكتشاف الإصابة بالفيروس مبكرًا

 

بدأت القصة على متن السفينة السياحية “إم في هونديوس” التي كانت تعبر المحيط الأطلسي، حين أصيب عدد من الركاب وأفراد الطاقم بحمى وإرهاق حادين، قبل أن تتطور الأوضاع سريعاً إلى حالة طوارئ صحية دفعت السلطات الإسبانية إلى بدء عمليات إجلاء جماعي للركاب في ميناء جزيرة تينيريفي.

 

وأعلنت وزارة الصحة الإسبانية بدء إنزال عشرات الركاب وأفراد الطاقم، فيما باشرت فرق طبية متخصصة عمليات الفحص والعزل وتتبع المخالطين، بعد الاشتباه بانتشار فيروس “هانتا” على متن السفينة.

 

وسجلت منظمة الصحة العالمية حتى الآن ثماني حالات مرتبطة بالتفشي، تأكدت إصابة ست منها، بينما توفي ثلاثة أشخاص، بينهم هولنديان وألماني، متأثرين بمضاعفات الفيروس.

ورغم محدودية الأرقام، فإن خطورة الفيروس تكمن في طبيعته النادرة، ومعدلات الوفاة المرتفعة لبعض سلالاته، إلى جانب صعوبة اكتشافه مبكراً بسبب تشابه أعراضه مع الإنفلونزا أو كوفيد-19.

 

ما هو فيروس “هانتا”؟


 “هانتا” ليست فيروساً واحداً، بل عائلة كاملة من الفيروسات الحيوانية المنشأ، ترتبط في الأساس بالقوارض، خصوصاً الفئران، التي تحمل الفيروس وتنقله عبر البول والفضلات واللعاب، وسُميت هذه الفيروسات نسبة إلى نهر “هانتان” في كوريا الجنوبية، حيث جرى التعرف على أولى الحالات المرتبطة بها خلال الحرب الكورية.

 

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن هناك أكثر من عشرين نوعاً مختلفاً من فيروسات هانتا حول العالم، لكن عدداً محدوداً فقط منها قادر على إصابة البشر والتسبب بأمراض خطيرة قد تنتهي بالوفاة.

وتنقسم الأمراض الناتجة عن الفيروس إلى نوعين رئيسيين:

 

متلازمة هانتا القلبية الرئوية، المنتشرة في الأمريكتين، وتهاجم الرئتين والقلب.

 

الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، المنتشرة في أوروبا وآسيا، وتؤثر بشكل أساسي على الكلى والأوعية الدموية.

 

“فيروس الأنديز”.. السلالة التي أقلقت العالم


ما يثير القلق الحقيقي حالياً ليس مجرد ظهور “هانتا”، بل الاشتباه في أن التفشي على متن السفينة مرتبط بسلالة “الأنديز”، وهي السلالة الوحيدة المعروفة حتى الآن بقدرتها المحدودة على الانتقال من إنسان إلى آخر.

 

وتوجد هذه السلالة بشكل رئيسي في الأرجنتين وتشيلي، وقد ارتبطت سابقاً بتفشٍ خطير شهدته الأرجنتين عام 2018، حين انتقلت العدوى خلال حفلة اجتماعية من شخص واحد إلى عشرات الأشخاص، ما أدى إلى وفاة عدد منهم، ورغم ذلك، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن انتقال العدوى بين البشر يظل نادراً جداً، ولا يحدث بسهولة مثل الإنفلونزا أو كورونا، بل يتطلب مخالطة طويلة ومباشرة لشخص تظهر عليه الأعراض.

 

وقال المتحدث باسم المنظمة، كريستيان ليندماير، إن “هذا ليس كوفيد”، مشدداً على أن الفيروس لا ينتشر عبر الاحتكاك العابر أو المرور السريع بين الأشخاص.

 

وأضاف أن حتى بعض الأزواج الذين كانوا على تماس مباشر مع مصابين لم تثبت إصابتهم بالعدوى، ما يعزز فرضية أن الانتقال البشري محدود للغاية.

 

كيف تنتقل العدوى بفيروس هانتا؟


يختلف “هانتا” عن الفيروسات التنفسية التقليدية، إذ إن مصدر العدوى الرئيسي ليس البشر بل القوارض.

 

وتحدث أغلب الإصابات بعد استنشاق جزيئات دقيقة محملة بالفيروس تتطاير من بول القوارض أو فضلاتها الجافة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية.

 

كما يمكن أن تنتقل العدوى عبر:

 

ملامسة فضلات القوارض أو لعابها.

 

التعرّض لعضات الفئران.

 

تنظيف أماكن موبوءة بالقوارض دون احتياطات.

 

العمل في الزراعة أو المخازن أو البيئات المهجورة.

 

أما انتقال العدوى بين البشر، فقد وُثق فقط مع سلالة “الأنديز”، ويحتاج إلى مخالطة وثيقة ومطولة.

 

أعراض تبدأ كإنفلونزا وقد تنتهي بفشل رئوي أو كلوي


وتكمن خطورة فيروس هانتا في أن أعراضه الأولى تبدو بسيطة وتشبه الإنفلونزا، ما قد يؤخر التشخيص والتدخل الطبي.

وتبدأ الأعراض غالباً بـ:

 

ارتفاع مفاجئ في الحرارة.

 

إرهاق شديد.

 

آلام عضلية حادة.

 

صداع وقشعريرة.

 

غثيان أو قيء وآلام بالبطن.

 

لكن في الحالات الشديدة، تتطور الأعراض سريعاً إلى:

 

سعال حاد.

 

ضيق تنفس خطير.

 

تراكم السوائل داخل الرئتين.

 

انخفاض حاد في ضغط الدم.

 

نزيف داخلي.

 

فشل كلوي أو رئوي.

 

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدل الوفيات في متلازمة هانتا الرئوية قد يصل إلى 50% في بعض السلالات، خاصة “الأنديز”، كما أن فترة حضانة المرض قد تمتد من أسبوع إلى ثمانية أسابيع، وهو ما يصعّب عمليات التتبع الوبائي.

 

لا علاج مباشر ولا لقاح عالمي


حتى الآن، لا يوجد دواء مضاد قادر على القضاء على فيروس هانتا، كما لا يتوفر لقاح عالمي معتمد للوقاية منه.

 

ويرتكز العلاج الحالي على الرعاية الداعمة المكثفة، وتشمل:

 

تزويد المرضى بالأكسجين.

 

استخدام أجهزة التنفس الصناعي.

 

غسيل الكلى للحالات المتقدمة.

 

الرعاية المركزة والمراقبة المستمرة.

 

ويؤكد الأطباء أن التدخل المبكر قد يكون الفارق بين الحياة والموت، خاصة خلال الساعات الأولى من تطور الأعراض التنفسية، ورغم غياب لقاح عالمي، تستخدم بعض الدول مثل الصين وكوريا الجنوبية لقاحات محدودة ضد السلالات المحلية المنتشرة لديها.

 

إهل تنقل القطط والكلاب فيروس هانتا؟


ومع تصاعد القلق العالمي، انتشرت تساؤلات واسعة حول إمكانية انتقال الفيروس عبر الحيوانات الأليفة، خصوصاً القطط والكلاب.

 

وأكد متخصصون في الطب البيطري بمصر أن القوارض تظل المصدر الرئيسي للعدوى، موضحين أن القطط والكلاب قد تتعرض للفيروس إذا احتكت بالفئران المصابة، لكنها لا تُعد ناقلاً مباشراً للمرض إلى البشر وفق الأدلة العلمية المتوفرة حتى الآن.

 

وقالت الدكتورة سارة عطا الله، رئيسة المركز العلمي بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، إن الحيوانات الأليفة قد تحمل الفيروس بعد مخالطة القوارض، لكن لم تُسجل حالات مؤكدة لانتقال العدوى من القطط أو الكلاب إلى الإنسان.

 

كما أوضح الدكتور صبري زينهم، مدير مديرية الطب البيطري بالقاهرة الأسبق، أن الحيوانات الأليفة تُعتبر في هذه الحالة “عائلاً نهائياً”، أي قد تُصاب أو تحمل الفيروس دون أن تنقله لغيرها.

 

وشدد الخبراء على أهمية:

 

منع الحيوانات من اصطياد القوارض.

 

تنظيف أماكن التربية باستمرار.

 

التخلص الآمن من المخلفات.

 

المتابعة البيطرية الدورية.


لماذا تراقب منظمة الصحة العالمية الفيروس بحذر؟

 

رغم تأكيد المنظمة أن الخطر العالمي منخفض، فإن الحذر يعود إلى عدة عوامل:

 

ارتفاع معدلات الوفاة في بعض السلالات.

 

غياب لقاح أو علاج مباشر.

 

إمكانية الانتقال المحدود بين البشر في سلالة “الأنديز”.

 

صعوبة التشخيص المبكر.

 

تشابه الأعراض مع أمراض تنفسية أخرى.

 

وتواصل منظمة الصحة العالمية حالياً تنسيق جهود المراقبة وتتبع المخالطين، إلى جانب دعم الدول في الفحوصات المخبرية والاستجابة السريعة.

 

كما تؤكد المنظمة أن “الصحة الواحدة” — التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة — أصبحت ضرورة أساسية لمنع ظهور أوبئة جديدة مرتبطة بالحياة البرية والقوارض.

 

كيف يمكن الوقاية من فيروس هانتا؟

 

تشدد السلطات الصحية على أن الوقاية تبقى السلاح الأهم حالياً، وتوصي بـ:

 

مكافحة القوارض داخل المنازل والمخازن.

 

إغلاق الفتحات التي تسمح بدخول الفئران.

 

تخزين الطعام بشكل آمن.
عدم تنظيف فضلات القوارض بالمكانس الكهربائية أو الكنس الجاف.

 

ترطيب الأماكن الملوثة قبل تنظيفها.

 

غسل اليدين باستمرار.

 

تهوية الأماكن المغلقة جيداً.