كشفت شكاوى أهالي بولاق الدكرور في محافظة الجيزة عن اتساع أزمة يومية تجمع بين انتشار النباشين وتعاطي المخدرات في الشوارع المظلمة وتراكم المخلفات، ما دفع السكان إلى مطالبة الحي والمحافظة والأجهزة الأمنية بتحرك عاجل يعيد الانضباط إلى مناطق شارع سلام بأبو قتادة وتقسيم عمرو بن العاص.
حذرت هذه الاستغاثات من أن الأزمة لم تعد مخالفة نظافة أو واقعة أمنية منفصلة، لأن غياب الإنارة والرقابة وترك الشوارع للمواقف العشوائية والمقاهي والتوك توك غير المرخص حوّل حياة السكان إلى مواجهة مفتوحة مع الخوف والقمامة والبلطجة اليومية التي تدفع الأسر ثمنها وحدها.
النباشون يحولون القمامة إلى أزمة بيئية مفتوحة
في البداية، يربط أهالي بولاق الدكرور بين انتشار النباشين وتدهور النظافة في الشوارع، لأن جامعي القمامة غير النظاميين يفرزون المخلفات على الأرصفة وأمام البيوت، ثم يتركون بقاياها مكشوفة في مناطق سكنية مكتظة مثل شارع سلام بأبو قتادة وتقسيم عمرو بن العاص.
لذلك، لا تبدو القمامة في هذه المنطقة نتيجة إهمال فردي من السكان، بل تظهر كفشل إداري في تنظيم الجمع والفرز والرقابة، خاصة أن استمرار النبش في الشارع يضاعف الروائح والحشرات ويحوّل الطريق العام إلى مساحة ملوثة لا تصلح لحركة آمنة أو حياة طبيعية.
ويعزز هذا المعنى ما طرحه الباحث وائل صلاح فهمي في دراساته عن جامعي القمامة في القاهرة، إذ يوضح أن تجاهل الدولة للاقتصاد غير الرسمي في جمع المخلفات يضرب استدامة منظومة إعادة التدوير، وهو ما يجعل أزمة بولاق نتيجة مباشرة لفوضى إدارة لا لمجرد وجود فقراء يبحثون عن رزق.
بعد ذلك، تتسع المشكلة حين يتحول فرز القمامة إلى غطاء لفوضى أكبر في الشارع، لأن غياب نقاط جمع منظمة وغياب مرور يومي فعال من الحي يفتحان الطريق أمام تراكم المخلفات، ثم تتكون بؤر ثابتة يستغلها المتعاطون والصبية والمخالفون بعيدًا عن أي رقابة معلنة.
ومن هنا، تصبح مطالبة الأهالي بتكثيف حملات النظافة مطلبًا أمنيًا وصحيًا في الوقت نفسه، لأن إزالة القمامة لا تعني تجميل الشارع فقط، بل تعني قطع أول حلقة في سلسلة تبدأ بالنبش وتنتهي بتعاطي المخدرات والمشاجرات وتدهور الإحساس بالأمان داخل الحي.
شوارع مظلمة تتحول إلى بؤر تعاطي ومشاجرات
في المقابل، أبلغ سكان شارع الثلاثيني في تقسيم عمرو بن العاص عن تحول مناطق من الشارع إلى بؤر مفتوحة لتعاطي المواد المخدرة خلال الساعات المتأخرة، وهو تطور يفسر حالة الذعر بين الأسر التي تجد أبواب بيوتها محاصرة بسلوك خارج القانون كل ليلة.
ثم يضيف الأهالي أن المشاجرات بين الشباب والصبية أصبحت جزءًا من المشهد الليلي، وأن حوادث وفاة لشبان بسبب جرعات مخدرات زائدة رفعت مستوى الخوف داخل المنطقة، بينما يظل ضعف الإضاءة في بعض الشوارع عاملًا مباشرًا يساعد المتعاطين على استغلال الفراغ الأمني والبلدي.
ويخدم رأي عالم الاجتماع آصف بيات هذا المحور، لأنه يشرح في أعماله عن فقراء المدن أن غياب الدولة عن التفاصيل اليومية للشارع يخلق سلطة أمر واقع داخل المساحات الهامشية، وبذلك لا يبقى الشارع فراغًا محايدًا بل يتحول إلى ساحة يملؤها الأقوى والأكثر قدرة على فرض حضوره.
وعلى هذا الأساس، لا يستطيع سكان بولاق الدكرور فصل أزمة المخدرات عن ضعف الإضاءة وترك الشوارع المظلمة بلا متابعة، لأن المتعاطي لا يحتاج إلا إلى زاوية مهملة ومخلفات متراكمة ورقابة غائبة، ثم يدفع السكان النتيجة في صورة خوف ومشاحنات وتهديد يومي للنساء والأطفال.
كذلك، تكشف الإشارات المتداولة عن أزمات سابقة في بولاق الدكرور، ومنها حضور الأهالي جنازة شهيد شهامة واحتجاجات مرتبطة بنقل طلاب من مدرستين تجريبيتين، أن الحي يعيش تراكمًا في الشعور بالخذلان، لأن السكان لا يشتكون من واقعة عابرة بل من نمط إدارة يترك الأزمات تكبر.
الإشغالات والمركبات العشوائية تكمل حصار السكان
في الوقت نفسه، تعاني المنطقة من كثافة إشغالات ومواقف عشوائية لميكروباصات قديمة ومتهالكة، خاصة أمام محطة فيصل، حيث تعمل سيارات منذ عقود بحالة سيئة، وبعضها يسير بلا رخصة أو لوحة معدنية أو أبواب أو مقاعد سليمة، ما يضع الركاب والمارة أمام خطر يومي مكشوف.
وبالتوازي، ينتشر التوك توك الذي يقوده صبية صغار أمام محطة فيصل وفي شوارع الجيزة الشعبية، بينما تتحرك موتوسيكلات بخارية وكهربائية غير مرخصة يقودها أطفال بعيدًا عن الرقابة، فتتحول الشوارع الضيقة إلى مسارات عشوائية للحوادث والاصطدامات والفوضى المرورية المستمرة.
وتدعم عالمة الاجتماع منى أباظة هذا الفهم عبر كتاباتها عن صراعات المجال العام في القاهرة، إذ تربط تحولات الشارع بالسيطرة اليومية على المساحة، ولذلك تبدو مقاهي بولاق التي تحتل الرصيف ونهر الطريق امتدادًا لفكرة انتزاع المجال العام من السكان لصالح الأقوى والأعلى صوتًا.
بعد ذلك، يشتكي الأهالي من مقاه تستولي على الأرصفة بوضع أقماع بلاستيكية وصفائح أسمنتية تعيق المرور وتفسد الأسفلت وتزعج السكان ليلًا ونهارًا، ثم تنتج هذه السيطرة على الطريق بيئة تسمح بالمعاكسة والتحرش اللفظي والمشاحنات، خصوصًا حين تغيب حملات الإزالة الجادة.
لهذا، لا تبدو بولاق الدكرور أمام أزمة مرافق فقط، بل أمام مشهد حكومي يترك الحي الشعبي يواجه القمامة والمخدرات والمركبات غير المرخصة والمقاهي المتغولة وحده، بينما تتحول مطالب الأهالي البسيطة بالإنارة والنظافة والمرور والأمن إلى استغاثات متكررة بلا أثر واضح.
وفي النهاية، يضع أهالي بولاق الدكرور المسؤولية مباشرة على الحي ومحافظة الجيزة والأجهزة التنفيذية والأمنية، لأن استمرار الوضع الحالي يعني توسيع مساحة الخوف داخل الشارع وترك السكان تحت رحمة النباشين والمتعاطين والإشغالات، بينما لا يحتاج الحي إلى وعود جديدة بل إلى حملة يومية صارمة تعيد الطريق العام لأهله.

