طالب أهالي عدد من المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا سياسية بالإفراج عن ذويهم، خلال مؤتمر تضامني عُقد مساء الثلاثاء في مقر حزب العيش والحرية بوسط القاهرة تحت عنوان "السجن مش مكانهم"، بمشاركة حقوقيين وسياسيين وشخصيات عامة وأفراد من أسر المحتجزين، في فعالية أعادت تسليط الضوء على اتساع أزمة الحبس الاحتياطي المطول وما تتركه من آثار مباشرة على السجناء وعائلاتهم.

 

وجاءت كلمات المشاركين لتربط بين الوقائع الفردية المعروضة داخل القاعة وبين سياق أوسع يتعلق باستمرار احتجاز متهمين في قضايا سياسية لفترات طويلة قبل الفصل في أوضاعهم، بينما اعتبر متحدثون أن بطء الاستجابة الرسمية وتواضع الإفراجات السابقة ساهما في إبقاء الملف مفتوحًا، ليس فقط بوصفه مسألة قانونية، بل باعتباره قضية تمس المجال العام والحياة اليومية لأسر كاملة.

 

صور على الجدران وشهادات من الأسر

 

شهد المؤتمر تعليق عشرات الصور لمحبوسين على ذمة قضايا سياسية على جدران القاعة، واحتوت الصور على بيانات تتعلق بالأعمار وتواريخ القبض والاتهامات الموجهة ومدد الحبس، إلى جانب رسوم كاريكاتورية طالبت بالإفراج عنهم، في محاولة لتحويل الأرقام والأسماء إلى قصص إنسانية حاضرة أمام المشاركين.

 

وقال عمر الجباخنجي، والد رسام الكاريكاتير في "المنصة" والمترجم وعازف الجيتار أشرف عمر، إن أصحاب الرأي يجب ألا يُزجّ بهم في السجون، مطالبًا بوضع معايير واضحة للفصل بين قضايا الرأي والقضايا الجنائية، ومؤكدًا أن نجله "مكانه مش في السجن" وأن الاتهامات الموجهة إليه "ملفقة".

 

وجاءت قضية أشرف عمر في قلب المؤتمر، بعد أيام من انعقاد أولى جلسات محاكمته عقب 16 شهرًا من الحبس الاحتياطي، إذ قررت محكمة جنايات القاهرة، الأحد الماضي، تأجيل محاكمته إلى 13 يوليو للاطلاع، في القضية رقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس.

 

ويواجه أشرف عمر، الذي أُلقي القبض عليه من منزله في 22 يوليو 2024، اتهامات شملت "تمويل جماعة إرهابية، ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، واستخدام موقع على شبكة المعلومات الدولية بغرض الترويج لأفكار ومعتقدات تدعو إلى ارتكاب أعمال إرهابية، وإذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة عمدًا داخل البلاد وخارجها حول الأوضاع الداخلية للبلاد".

 

وشارك في الفعالية عدد من الشخصيات العامة والسياسية وأسر المحبوسين، من بينهم ندى مغيث زوجة أشرف عمر، ووالدها الخبير التربوي كمال مغيث، والقيادية بالحركة المدنية الديمقراطية كريمة الحفناوي، والفنانة التشكيلية نجلاء سلامة زوجة الاقتصادي المحبوس عبد الخالق فاروق، والنائب فريدي البياضي.

 

وقالت ندى مغيث إن التعامل مع الحبس الاحتياطي باعتباره قضية قانونية فقط يحجب جانبًا أساسيًا من الأزمة، يتعلق بما يخلّفه الاحتجاز الممتد من أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية على الأسر، مشددة على أن بناء موقف موحد من الأحزاب والمؤسسات المدنية بات ضرورة لمخاطبة ما وصفته بالانتهاكات المرتبطة بهذا الملف.

 

وأضافت أن السجن، رغم قسوته، لا ينهي دائمًا الروابط بين السجناء وعائلاتهم، بل قد يخلق أحيانًا روابط أشد صلابة بينهم، مشيرة إلى أن زوجها استغل فترة حبسه في التعلم والقراءة، إذ تعلم اللغة الإسبانية وقرأ مئات الكتب، كما ساعد بعض السجناء في تعلم الإنجليزية ومحو الأمية.

 

وتابعت أنها تلقت رسائل من محبوسين سابقين معه تحدثوا فيها عن دعمه لهم داخل السجن، وعن نقاشات يومية كان يشاركهم فيها حول الكتب والموسيقى والأفلام، قبل أن تقرأ خلال كلمتها مقتطفات من رسائل وشهادات وصلتها من سجناء سابقين وأصدقاء متضامنين معه.

 

وتحمل شهادة ندى مغيث بعدًا إضافيًا في هذا الملف، بعدما كانت هي الأخرى قد تعرضت للقبض عليها والتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في 16 يناير من العام الماضي، على خلفية حديثها في حوار صحفي عن قضية زوجها، قبل أن تخلي النيابة سبيلها بكفالة 5 آلاف جنيه.

 

دعوات إلى تحرك أوسع واستمرار التضامن

 

وقال المعارض السياسي أحمد الطنطاوي، خلال كلمته في المؤتمر، إن الدفاع عن المحبوسين السياسيين لا ينفصل عن الدفاع عن المستقبل، معتبرًا أن من شاركوا يومًا حلم التغيير يتحملون مسؤولية مشتركة تجاه من هم داخل السجون، وأن بقاء هذا الملف دون تحرك فعال يرسخ عزلة المحتجزين ويعمق شعور أسرهم بأنهم تُركوا وحدهم.

 

وأضاف الطنطاوي أن السنوات الماضية طرحت سؤالًا مباشرًا حول كلفة الصمت، داعيًا إلى مزيد من التضامن بين الأطراف المختلفة، والعمل عبر "خطة مدروسة ومتنوعة ومتدرجة" في التعامل مع السلطة، بدل الاكتفاء بردود أفعال متفرقة لا تغير من واقع المحبوسين شيئًا.

 

وقال الطنطاوي في تصريحات لـ"المنصة" إن التعامل مع الأوضاع الحالية بوصفها "الواقع الوحيد الممكن" يمثل شكلًا من أشكال الاستسلام، داعيًا إلى التفكير في وسائل أخرى للتحرك والتعبير، وعدم حصر المسار العام في رفع سقف المطالب تدريجيًا من دون أدوات ضغط فعالة ومستمرة.

 

ومن جانبها، قالت عضوة لجنة الدفاع عن سجناء الرأي وعضوة حزب الكرامة وفاء المصري إن منظمي المؤتمر لم يتمكنوا من عرض صور جميع المحبوسين، رغم وجود "آلاف الصور" التي لم تصل إلى اللجنة أو تعجز عن توثيقها، في إشارة إلى اتساع الملف وصعوبة الإحاطة بكل حالاته في فعالية واحدة.

 

وأضافت وفاء المصري أنها كانت تتمنى أن يضم المعرض صور جميع المعتقلين السياسيين، معتبرة أن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل الاكتفاء بإشارات رمزية، بل تحتاج إلى "خطوات فعالة" في التعامل مع ملف الحبس الاحتياطي، من دون أن تفصل طبيعة هذه الخطوات.

 

وشهد المؤتمر أيضًا عرض مقاطع فيديو لعدد من الشخصيات العامة والسياسية، من بينهم المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، والمحامي الحقوقي خالد علي، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والكاتب محمد عبد القدوس، عبروا خلالها عن تضامنهم مع المحبوسين على ذمة قضايا سياسية، وطالبوا بالإفراج عنهم.

 

وركزت كلمات المشاركين على ضرورة إعادة فتح ملف الحبس الاحتياطي المطول، والتعامل مع أوضاع المحتجزين باعتبارها قضية إنسانية وسياسية تمس المجال العام، مع تحذيرات متكررة من أن استمرار احتجاز الآلاف يفاقم مشاعر الاحتقان واليأس لدى عائلاتهم ويزيد من كلفة الأزمة اجتماعيًا ونفسيًا.

 

وقالت الأكاديمية ليلى سويف إنها تعتقد أن "الحكومة لا تُخرج أحدًا من السجون إلا حين تشعر أنه أصبح مصدر قلق وصداع"، داعية إلى تكثيف الفعاليات التضامنية عبر الوقفات والندوات والمؤتمرات والإضرابات الرمزية، ومعتبرة أن الضغط المستمر يظل عنصرًا أساسيًا في أي تحرك يستهدف الإفراج عن المحبوسين.

 

وأضافت أنها ترى أن استمرار هذا الضغط "مسؤولية جماعية"، مطالبة بعدم التراجع عن دعم المحبوسين والتعامل مع أوضاعهم باعتبارها قضية إنسانية عاجلة، ومؤكدة أن أي تحرك، مهما بدا محدودًا، يظل ضروريًا إذا جرى بكثافة واستمرار.

 

استجابة محدودة وحالات ممتدة لسنوات

 

وقال نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد أنور السادات إن المجلس لا يزال يستكمل تشكيل لجانه وفرق العمل بعد إعادة تشكيله مؤخرًا، لكنه يواصل متابعة شكاوى أهالي المحبوسين وبعض الملفات المتعلقة بالزيارات والتفتيش داخل أماكن الاحتجاز، في إشارة إلى استمرار التواصل مع عدد من الحالات المطروحة.

 

وأضاف السادات أن المجلس يتعاون مع النيابة العامة في هذه الملفات، لكنه لا يستطيع تقييم حجم الاستجابة أو ما تحقق فعليًا، معتبرًا أن ذلك يدخل في نطاق مسؤولية النيابة العامة، وهو ما يعكس حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه المجلس في ظل تعقيد هذا النوع من القضايا.

 

وفيما يتعلق بملف الحبس الاحتياطي، قال السادات إن الحوار الوطني كان من المفترض أن يقود إلى مراجعة أوضاع بعض المحبوسين، إلا أن الإفراجات التي جرت جاءت "محدودة وليست بالمستوى المأمول"، معتبرًا أن الأزمة ترتبط بما يطبق عمليًا أكثر من ارتباطها بالنصوص القانونية أو الدستورية، وأن غياب إرادة حقيقية يبقي الوضع على ما هو عليه.

 

وقال عضو لجنة الدفاع عن سجناء الرأي وعضو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المحامي إسلام سلامة، إن كثيرًا من المتهمين في القضايا السياسية يواجهون فترات طويلة من الحبس الاحتياطي منذ لحظة القبض وحتى المحاكمة، رغم غياب أدلة حقيقية، على حد وصفه، وهو ما يحول الإجراء الاحترازي في عدد من الحالات إلى عقوبة ممتدة قبل صدور أحكام نهائية.

 

وأشار سلامة إلى حالة الناشطة والمترجمة مروة عرفة، التي قال إنها أمضت نحو خمس سنوات بين الحبس الاحتياطي والمحاكمة بعد اتهامها بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية"، معتبرًا أن الاتهامات الموجهة إليها "بعيدة تمامًا عن الحقيقة"، وأن القضية تعكس نمطًا متكررًا في التعامل مع متهمين في ملفات ذات طابع سياسي.

 

وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على مروة عرفة في 20 أبريل 2020، بعدما اقتحمت منزلها واقتادتها إلى جهة غير معلومة، قبل أن تظهر بعد أسبوعين أمام نيابة أمن الدولة التي وجهت لها اتهامات بـ"الانضمام لجماعة إرهابية، وارتكاب جريمة من جرائم التمويل"، وأمرت بحبسها احتياطيًا، بينما لم تحقق في بلاغات أسرتها بشأن اختفائها قسريًا، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

 

ويعكس تكرار هذه الشهادات داخل المؤتمر اتساع الفجوة بين المسار القانوني الرسمي من جهة، وتجارب الأسر والمحامين والحقوقيين من جهة أخرى، إذ لم تعد المطالب مقتصرة على الإفراج عن أسماء بعينها، بل امتدت إلى المطالبة بمراجعة أوسع لاستخدام الحبس الاحتياطي في القضايا السياسية، بعد سنوات من الشكاوى من امتداده وتكراره وتحوّله، في نظر منتقديه، إلى أداة احتجاز طويلة الأمد.

 

وفي النهاية، فقد أعاد مؤتمر "السجن مش مكانهم" طرح ملف الحبس الاحتياطي المطول إلى واجهة النقاش العام، عبر شهادات جمعت بين الوقائع القانونية والكلفة الإنسانية المباشرة على الأسر، وبينما تحدث المشاركون عن حالات بعينها مثل أشرف عمر ومروة عرفة، بدا واضحًا أن الرسالة الأساسية للفعالية تتجاوز الأسماء الفردية إلى المطالبة بإغلاق باب الاحتجاز الممتد قبل المحاكمة، وفتح مسار أكثر وضوحًا لمراجعة أوضاع المحبوسين على ذمة قضايا سياسية.