سيطرت على العالم حالة من القلق بعد ظهور حالات إصابة بفيروس هانتا على إحدى المراكب السياحية في شهر مايو الجاري والذي ينتقل للإنسان من القوارض ، مما جعل العالم يستعيد ذاكرة جائحة كورونا التي حصدت أرواح ملايين البشر في مختلف دول العالم وأصابت عشرات الملايين وعطلت حياة الناس الطبيعية لأكثر من عامين بسبب الاجراءات الاحترازية.
وقد اجتاحت جائحة كورونا العالم بوصفها أزمة غير مسبوقة دفعت الحكومات إلى اتخاذ قرارات استثنائية مست جوانب الحياة كافة، من إغلاق الحدود وتعليق السفر إلى فرض قيود على الحركة والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
و رصد تقرير مهم لمركز الحضارة للدراسات طريقة تعامل الحكومة المصرية مع جائحة كورونا، الذي يقول في بدايته : اختارت مصر نهج “الإغلاق الجزئي”، الذي جمع بين تقييد بعض الأنشطة والإبقاء على قطاعات أخرى تعمل، وهو ما أثار نقاشات واسعة حول فعالية السياسات الصحية والاقتصادية التي اتبعتها الحكومة خلال الأزمة.
واعتمدت الحكومة المصرية منذ بدايات الجائحة على إجراءات احترازية تمثلت في إغلاق المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والنوادي الرياضية، وفرض حظر تجوال جزئي، مع استمرار عمل المصانع ووسائل النقل العام والعديد من الأنشطة التجارية. وقد جرى تطبيق بعض صور الإغلاق الكامل بشكل مؤقت خلال المناسبات، مثل عيد الفطر، حين أوقفت الحكومة وسائل النقل الجماعي وأغلقت المتنزهات والشواطئ للحد من حركة المواطنين.
تأخر الاعتراف بوجود إصابات
على المستوى الصحي، كشفت الأزمة عن عدد من الإشكاليات في إدارة الملف الصحي. ففي البداية، تأخرت الحكومة في الاعتراف بوجود إصابات داخل البلاد بحسب تقرير مركز الحضارة، رغم إعلان دول أخرى اكتشاف حالات قادمة من مصر. كما لم تُفرض قيود السفر أو تُغلق المطارات إلا بعد إعلان منظمة الصحة العالمية اعتبار كورونا جائحة عالمية في مارس 2020. وقد أثار هذا التأخر تساؤلات حول مدى استعداد الدولة للتعامل مع الأزمة منذ بدايتها.
ومن أبرز القضايا المثيرة للجدل أيضًا مسألة التحاليل الطبية، حيث حصرت وزارة الصحة إجراء اختبارات كورونا في معاملها المركزية، ومنعت المعامل الخاصة من إجراء الفحوصات. وقد بررت الحكومة ذلك بارتفاع تكلفة التحاليل وصعوبة توفير مستلزماتها، إلا أن منتقدين رأوا أن هذا التقييد أدى إلى تقليل أعداد الفحوصات والسيطرة على البيانات المتعلقة بالإصابات والوفيات. كما اشتكى مواطنون كثيرون من صعوبة الحصول على تحليل أو حتى دخول المستشفيات الحكومية، بسبب تشدد الشروط الخاصة بأخذ المسحات.
ارتفاع أعداد وفيات لأطباء واهتمام حكومي بالمشاهير
ومضى تقرير مركز الحضارة قائلًا: وامتد هذا التقييد ليشمل الأطباء وأطقم التمريض أنفسهم، إذ طالب كثير منهم بإجراء فحوصات دورية باعتبارهم الأكثر عرضة للإصابة، إلا أن الوزارة قصرت التحاليل على من تظهر عليهم الأعراض أو من ثبت مخالطتهم لحالات مؤكدة. وقد تسبب ذلك في موجة غضب داخل القطاع الطبي، خاصة مع ارتفاع أعداد الوفيات بين الأطباء.
في المقابل، بدت استجابة الحكومة أسرع وأكثر مرونة مع بعض الشخصيات العامة والمشاهير، سواء من الفنانين أو لاعبي كرة القدم، حيث أُجريت لهم تحاليل دورية وتوفرت لهم خدمات صحية سريعة، وهو ما أثار اتهامات بوجود تمييز في التعامل بين فئات المجتمع المختلفة.
كما تغيرت سياسة التشخيص لاحقًا، فأصبحت الوزارة تعتبر كل من يعاني أعراضًا مشابهة للفيروس حالة محتملة لكورونا، مع توجيهه للعزل المنزلي وتناول أدوية محددة دون ضرورة إجراء تحليل PCR. وقد اعتُبر هذا التحول محاولة لتخفيف الضغط على المستشفيات وتقليل الحاجة إلى إجراء الفحوصات.
رفض فتح مستشفيات الجيش والشرطة للمدنيين
ومن الملاحظات المهمة أيضًا التي يرصدها تقرير مركز الحضارة للدراسات رفض الحكومة فتح المستشفيات العسكرية والشرطية بصورة كاملة أمام المواطنين خلال ذروة الأزمة، رغم مطالبات نقابة الأطباء بضرورة الاستفادة من جميع الإمكانات الطبية المتاحة. كما لم تلجأ الحكومة إلى إجراءات صارمة لإلزام المستشفيات الخاصة باستقبال مرضى كورونا بأسعار مناسبة، رغم ارتفاع تكلفة العلاج فيها بصورة كبيرة وصلت إلى عشرات الآلاف من الجنيهات للحالة الواحدة.
كما حاولت وزارة الصحة فرض تسعيرة محددة لخدمات علاج كورونا في المستشفيات الخاصة، إلا أن كثيرًا من هذه المستشفيات رفض الالتزام بها، بينما بدت الحكومة عاجزة عن فرض قراراتها أو اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا، على خلاف ما فعلته بعض الدول الأوروبية التي استعانت بالقطاع الصحي الخاص بصورة مؤقتة خلال الأزمة.
تناقض في قرارات الإغلاق
أما فيما يتعلق بسياسات الإغلاق، يقول تقرير مركز الحضارة: اتسمت بعض القرارات بالتناقض؛ ففي الوقت الذي أُغلقت فيه المساجد والحدائق العامة، استمرت وسائل النقل العام المزدحمة في العمل، كما استمرت قطاعات واسعة من العمالة الخاصة في التنقل يوميًا، وهو ما أدى إلى ازدحام شديد خاصة قبل ساعات الحظر. كذلك أُعيد فتح المقاهي والمطاعم في وقت ظلت فيه الحدائق والشواطئ مغلقة، رغم أن الأماكن المفتوحة أقل خطورة من المغلقة من حيث انتقال العدوى.
محاباة لرجال الأعمال في حزمة الدعم على حساب الفقراء
على المستوى الاقتصادي، يقول التقرير: أعلنت الحكومة المصرية في مارس 2020 تخصيص حزمة دعم بقيمة 100 مليار جنيه لمواجهة تداعيات الأزمة. وشملت هذه الحزمة دعم القطاع الصحي، وتقديم إعانات للعمالة غير المنتظمة، وتأجيل سداد بعض القروض والضرائب، إلى جانب تقديم تسهيلات للقطاع الخاص.
إحدى أهم الخطوات الاقتصادية كانت قرار البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بنسبة 3% دفعة واحدة، في محاولة لتخفيف أعباء الاقتراض وتنشيط الاقتصاد. إلا أن هذا القرار أثّر بشكل مباشر على عوائد المودعين، خاصة صغار المدخرين الذين يعتمدون على فوائد البنوك كمصدر دخل. وقد حاولت البنوك الحكومية تخفيف أثر القرار عبر طرح شهادات ادخار بعائد مرتفع لفترة محدودة.
أما كيفية إنفاق حزمة الدعم، فقد أثارت بدورها انتقادات واسعة. فقد حصلت قطاعات الأعمال والشركات الكبرى على مزايا متعددة، منها تخفيض أسعار الغاز والكهرباء وتأجيل الضرائب وتوفير قروض ميسرة، في حين اقتصر دعم العمالة غير المنتظمة على منحة شهرية محدودة لمدة ثلاثة أشهر فقط.
كما خصص البنك المركزي والحكومة مليارات الجنيهات لدعم البورصة المصرية ومنع انهيار الأسهم، وهو ما اعتبره منتقدون انحيازًا لصالح رجال الأعمال والمضاربين على حساب الفئات الأكثر تضررًا من الأزمة. حتى بعض رجال الأعمال، مثل نجيب ساويرس، انتقدوا توجيه الدعم للبورصة بدلاً من العمال والقطاعات الإنتاجية.
في ملف الاقتراض الخارجي، لجأت الحكومة إلى طرح سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار بأسعار فائدة مرتفعة نسبيًا، وقد شهد الطرح إقبالًا كبيرًا من المستثمرين الأجانب. إلا أن هذا النجاح الظاهري أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة قد رفعت أسعار الفائدة أكثر من اللازم، بما يزيد من أعباء الدين الخارجي على المدى الطويل.
هشاشة نظم الحماية الاجتماعية في مصر
ويشير تقرير مركز الحضارة للدراسات أن الأزمة كشفت عن هشاشة نظم الحماية الاجتماعية في مصر، حيث بدت المساعدات المقدمة للعمالة غير المنتظمة محدودة مقارنة بحجم المتضررين. كما تعاملت الحكومة بصورة مختلفة مع موظفي القطاع العام مقارنة بالعاملين في القطاع الخاص؛ فبينما حصل موظفو الحكومة على إجازات مدفوعة وتنظيم للعمل بالتناوب، تُرك كثير من عمال القطاع الخاص تحت رحمة أصحاب الأعمال، دون قرارات ملزمة تحميهم من الفصل أو تخفيض الأجور.
وقد ظهرت خلال الأزمة نماذج متباينة من رجال الأعمال؛ فبينما التزمت بعض الشركات بالحفاظ على العمالة والرواتب، لجأت شركات أخرى إلى تقليص الأجور أو الضغط لاستمرار العمل رغم المخاطر الصحية، بحجة الحفاظ على الاقتصاد ومنع الإفلاس.
ويضيف تقرير مركز الحضارة: ومن القرارات المثيرة للجدل أيضًا رفع أسعار الكهرباء للمنازل خلال الأزمة، في الوقت الذي خُفضت فيه أسعار الطاقة للمصانع. وقد اعتبر كثيرون ذلك انحيازًا واضحًا لمصالح رجال الأعمال على حساب المواطنين العاديين الذين كانوا يواجهون بالفعل ضغوطًا اقتصادية متزايدة بسبب الجائحة.
عدم عدالة توزيع أعباء الأزمة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة
كما فرضت الحكومة خصمًا بنسبة 1% من رواتب العاملين وأصحاب المعاشات للمساهمة في مواجهة الأزمة، في الوقت الذي أُعفيت فيه تعاملات البورصة من الضرائب والرسوم، ما عزز الانتقادات المتعلقة بعدالة توزيع أعباء الأزمة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
في المجمل، أظهرت أزمة كورونا في مصر عددًا من نقاط الضعف البنيوية في النظامين الصحي والاقتصادي. فقد كشفت محدودية قدرات القطاع الصحي الحكومي، وضعف التنسيق بين المؤسسات الطبية المختلفة، وصعوبة فرض رقابة فعالة على القطاع الخاص الصحي. كما أبرزت الأزمة هشاشة نظم الحماية الاجتماعية، والانحيازات الاقتصادية في توزيع الدعم والأعباء.
ورغم نجاح الحكومة في تجنب سيناريوهات الانهيار الكامل التي شهدتها بعض الدول، فإن إدارة الأزمة أثارت نقاشًا واسعًا حول أولويات الإنفاق العام، وطبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ومدى العدالة في توزيع الموارد والأعباء خلال الأزمات الكبرى.

