أوضحت بيانات واردات الغاز في مصر، خلال مايو 2026، ارتفاع تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى 1.2 مليار قدم مكعب يوميا، مقابل 950 مليون قدم في بداية الشهر، بزيادة 26%، لتغطية زيادة استهلاك الكهرباء والصناعة، رغم إعلان الحكومة اكتشافات غاز جديدة.

 

وتضع هذه الزيادة الحكومة أمام اتهام مباشر بإدارة ملف الطاقة بمنطق الدعاية لا الأمن القومي، لأنها تعلن كشوفا محلية ضخمة للرأي العام، ثم تلجأ عند أول موجة طلب إلى غاز الاحتلال، فتربط كهرباء البيوت ومصانع المصريين بمصدر سياسي شديد الخطورة.

 

واردات الغاز الإسرائيلي تكشف فجوة الإنتاج والاستهلاك

 

بدأت الزيادة الأخيرة منذ منتصف مايو، بعدما ارتفعت واردات الغاز الإسرائيلي بمتوسط 250 مليون قدم مكعب يوميا، ووجهت الكميات مباشرة إلى الشبكة القومية للغاز الطبيعي، ثم إلى محطات الكهرباء وقطاع الصناعة، بما يكشف أن السوق المحلية لا تملك هامشا آمنا وقت الذروة.

 

وبحسب مصدر مطلع على الواردات بوزارة البترول، سجلت التدفقات 1.2 مليار قدم مكعب يوميا، مقابل 950 مليون قدم مكعب في بداية الشهر، وهو انتقال سريع لا يشبه صفقة تجارية هامشية، بل يشير إلى اعتماد تشغيلي يتسع كلما ارتفعت الأحمال.

 

وتزامنت هذه الزيادة مع وصول أحمال الشبكة القومية للكهرباء إلى نحو 34 ألف ميجاوات يوميا منذ بداية مايو، بزيادة قدرها 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما رفع استهلاك محطات التوليد من الغاز الطبيعي بنحو 250 مليون قدم مكعب يوميا.

 

لهذا لا تستطيع الحكومة فصل أزمة الكهرباء عن صفقة الغاز الإسرائيلي، لأن الكمية الإضافية التي احتاجتها محطات التوليد تكاد تطابق الزيادة اليومية في الواردات، وهو ما يجعل كل حديث رسمي عن استقرار الطاقة منقوصا ما دام قائما على أنبوب قادم من تل أبيب.

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن التقارير التي تنفي اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي في توليد الكهرباء لا تعكس الصورة كاملة، لأن خفض الإمدادات الإسرائيلية في أوقات سابقة كان له أثر واضح على قدرة مصر على إدارة الطلب المحلي وتوفير الوقود.

 

اكتشافات محلية لا تمنع التورط في الاستيراد

 

رغم هذا الاعتماد المتزايد، أعلنت الحكومة نهاية الأسبوع الماضي كشفا جديدا لشركة عجيبة للبترول في الصحراء الغربية، وصفته بأنه الأكبر للشركة خلال 15 عاما، بتقديرات أولية تبلغ 330 مليار قدم مكعب من الغاز و10 ملايين برميل من المتكثفات والزيت الخام.

 

وبلغة الأرقام، قالت وزارة البترول إن الكشف يعادل إجماليا نحو 70 مليون برميل مكافئ، وهو رقم تستخدمه الحكومة لتأكيد استمرار فرص الإنتاج المحلي، لكنه لا يغير واقع أن الإنتاج الحالي لا يكفي الطلب، ولا يمنع اللجوء إلى استيراد كميات أكبر من إسرائيل.

 

كما يزداد التناقض حين تعلن الوزارة أنها تسعى لزيادة الإنتاج المحلي تدريجيا، بينما تستقر الواردات الإسرائيلية كأحد المصادر الرئيسية لسد الفجوة، إذ يبلغ الإنتاج المحلي المعلن نحو 4.2 مليار قدم مكعب يوميا، في وقت يرتفع فيه الطلب مع الصيف والصناعة والكهرباء.

 

ويرى المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، أن تراجع إنتاج الغاز المصري من مستويات أعلى إلى ما دون 5 مليارات قدم مكعب يوميا هو أحد أسباب اللجوء إلى الاستيراد وقت ارتفاع الأحمال، وهو تشخيص يفضح نتيجة سنوات من تراجع الحقول.

 

كذلك شدد المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، على أهمية تكثيف البحث والاستكشاف لتعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول، وهذا يعني أن المشكلة ليست في يوم صيف حار، بل في عجز هيكلي يتطلب إنتاجا محليا مستداما لا بيانات موسمية.

 

ومن ثم، لا تكفي الاكتشافات الجديدة لتطمين المصريين إذا بقيت خارج الإنتاج الفعلي لسنوات، لأن المواطن لا يستهلك احتياطيا معلنا في بيان، بل يحتاج كهرباء مستقرة وغازا للصناعة، وهنا تظهر الفجوة بين إعلان الكشف وتحويله إلى طاقة حقيقية داخل الشبكة.

 

صفقة 35 مليار دولار تربط الطاقة المصرية بإسرائيل حتى 2040

 

في أغسطس 2025، أعلنت نيوميد إنرجي الإسرائيلية وشركاؤها في حقل ليفياثان اتفاقا لتوريد الغاز إلى مصر بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، وهي أكبر صفقة تصدير في تاريخ إسرائيل، وتتضمن توريد نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040.

 

وهذا الاتفاق عدل علاقة سابقة كانت تستهدف تصدير نحو 60 مليار متر مكعب حتى عام 2030، ثم مدد العلاقة وزاد الكميات، بما يحول الغاز الإسرائيلي من حل مؤقت إلى بند طويل الأجل في ميزان الطاقة المصري، في وقت تعلن فيه القاهرة أنها تستهدف الاكتفاء.

 

كما قالت رويترز إن مصر تحولت من مصدر للطاقة إلى مستورد بسبب زيادة الطلب والضغوط المالية ومشكلات الإمداد، وهي خلاصة تشرح لماذا لم تعد الصفقات الإسرائيلية مجرد إعادة تصدير عبر مصانع الإسالة، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتلبية احتياجات السوق المحلية.

 

وتحاول الحكومة وصف الاتفاقات بأنها تجارية بحتة، لكن الغاز لا يصبح سلعة عادية عندما يأتي من دولة احتلال وتدخل كمياته في تشغيل الكهرباء والصناعة، لأن أي خلاف سياسي أو عسكري قد يحول مصدر الطاقة إلى أداة ضغط على اقتصاد كامل.

 

ويحذر الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام من أن دخول الغاز الإسرائيلي إلى بيوت ومصانع ومحال المصريين يمثل كارثة اقتصادية واجتماعية وسياسية، لأن تل أبيب قد تستخدم قطع الإمدادات عند أول خلاف لنشر الفوضى الاقتصادية وتهديد المصانع وشركات الكهرباء.

 

وقد ظهر هذا الخطر عمليا عندما توقفت أو تراجعت إمدادات الغاز الإسرائيلي في أوقات توتر سابقة، ما دفع القاهرة إلى البحث عن بدائل أغلى وأسرع، وكشف أن الأمن الطاقي لا يقاس بسعر الشحنة فقط، بل بقدرة الدولة على التحكم في مصدرها.

 

وبذلك تتجاوز أزمة الغاز الإسرائيلي سؤال السعر إلى سؤال السيادة، لأن الحكومة التي تربط الكهرباء والصناعة بمورد خارجي حساس تضع المجتمع كله أمام احتمال الابتزاز، ثم تقدم للمصريين لغة الاكتشافات المحلية كغطاء سياسي لا يعالج الخلل الأساسي في إدارة الطاقة.

 

في النهاية، تكشف زيادة الواردات إلى 1.2 مليار قدم مكعب يوميا أن الحكومة لم تفشل فقط في سد فجوة الغاز محليا، بل نقلت جزءا من أمن الطاقة المصري إلى يد تل أبيب، بينما تبقى الاكتشافات الجديدة ووعود الإنتاج بلا قيمة إذا ظلت المصانع والكهرباء تنتظر الغاز الإسرائيلي.