كشفت أدانت 8 دول عربية وإسلامية، لسلوك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير تجاه نشطاء أسطول الصمود المتجه إلى غزة، بعدما ظهروا مقيدين ومحتجزين عقب اعتراض سفن الإغاثة، عن تحول المشهد الذي أراده الاحتلال رسالة ترهيب إلى دليل جديد على قسوة الحصار ووحشية التعامل مع التضامن الإنساني.
وتضع هذه الواقعة الاحتلال الإسرائيلي وداعميه أمام مساءلة سياسية وأخلاقية مباشرة، لأن النشطاء لم يذهبوا إلى غزة طلبا للشهرة أو المكسب، بل سعوا إلى كسر حصار يستخدم الطعام والدواء كسلاح ضد المدنيين، بينما اختار بن غفير تحويل العمل الإغاثي إلى عرض إذلال علني زاد عزلة تل أبيب.
مشهد الأسر يهزم دعاية الاحتلال
بعكس ما كان بن غفير يأمل في تحقيقه، قدمت صور نشطاء أسطول الصمود المحتجزين لدى الإسرائيليين مشهدا معاكسا تماما، إذ ظهر النشطاء بوصفهم أصحاب موقف إنساني واضح، بينما ظهر الاحتلال باعتباره سلطة تخشى سفنا تحمل الغذاء أكثر مما تخشى الحقيقة التي تكشفها غزة.
وهؤلاء النشطاء لم يكونوا من طالبي الدنيا ولا الباحثين عن شهرة عابرة، بل جاءوا من دول متعددة لإسناد سكان غزة الذين يعانون من الحصار والجوع وانهيار مقومات الحياة، فحملوا معهم معنى التضامن العملي لا الخطابات التي تنتهي عند حدود المنصات السياسية.
ثم جاء بن غفير ليضيف إلى المشهد استفزازا جديدا، بعدما نشر مقاطع تظهر محتجزين في أوضاع مهينة، وهو سلوك أثار غضبا دوليا واسعا، لأن الوزير الإسرائيلي تعامل مع نشطاء إغاثة كأنهم مادة دعائية لتياره المتطرف، لا كأشخاص يتمتعون بحقوق قانونية وإنسانية.
ومن هذه الزاوية، لم تعد القضية مرتبطة بسفينة أو قافلة بحرية وحدها، بل بصورة الاحتلال أمام العالم، لأن اعتقال أجانب حاولوا إيصال مساعدات إلى غزة يفتح بابا دبلوماسيا وسياسيا لا تستطيع تل أبيب إغلاقه ببيانات أمنية أو اتهامات جاهزة.
وفي المقابل، لم يكن بن غفير شخصية مقبولة عالميا قبل واقعة الأسطول، إذ ارتبط اسمه باقتحامات المسجد الأقصى وبخطابات التحريض وتوسيع نفوذ المستوطنين، وكان اقتحامه للأقصى في 14 مايو برفقة مستوطنين ورفع علم الاحتلال في باحاته استمرارا لهذا المسار الاستفزازي.
كما أن اقتحامات بن غفير المتكررة للمسجد الأقصى لا تستفز الفلسطينيين وحدهم، بل تضرب الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، وتقدم نموذجا لوزير يستخدم منصبه لتعميق الصدام الديني والسياسي، في وقت يحتاج فيه المدنيون إلى حماية لا إلى إشعال حرائق جديدة.
وتؤكد مشاركة نشطاء من بلدان عديدة أن فلسطين لم تعد قضية محلية محاصرة بالجغرافيا، بل قضية إنسانية عالمية، لأن هؤلاء جاءوا من خلفيات مختلفة ليقدموا شهادتهم للتاريخ، ويعلنوا أن الانتماء إلى العدالة لا يحتاج إلى جواز سفر فلسطيني.
ومن هنا تستعيد ذكرى النكبة الثامنة والسبعين معناها الحاضر، فكل مستضعفي الأرض يرون في غزة امتدادا لتجربة اقتلاع طويلة، ويدركون أن التضامن مع فلسطين ليس موقفا عاطفيا فقط، بل مقاومة أخلاقية ضد استعمار يتغذى على الصمت الدولي.
أساطيل الإغاثة توسع عزلة تل أبيب
إذا كانت مشاهد الجوع والنزوح في غزة لم تعد تهز قادة غربيين تكلست مشاعرهم، فإنها ما زالت توقظ ضمائر ملايين البشر الذين يرون في فلسطين ميدانا لعمل الخير ومواجهة القوى الاستعمارية، ولذلك بدأت أساطيل الإغاثة في اختبار الحصار رغم علم المشاركين بمخاطر الاعتراض الإسرائيلي.
ويعتقد بعض قادة الاحتلال أن بإمكانهم اعتقال كل من يحاول كسر الحصار، مع التعويل على دعم أمريكي جاهز عند كل أزمة عملياتية أو سياسية، لكن هذا الافتراض نفسه يفتح أبوابا جديدة للمساءلة، لأن الحماقات الإسرائيلية لا تحاصر الفلسطينيين فقط بل تحرج واشنطن أيضا.
وبسبب هذا الصلف، ارتكب الاحتلال أخطاء كبيرة في محاولات إحكام الحصار، فبعد سنوات من مشاهد الفاقة في غزة، استيقظت شرائح واسعة من العالم على واقع غير إنساني في الأراضي المحتلة، ورأت أن سياسة التجويع تكشف تفكيرا استئصاليا لا مجرد إجراءات أمنية.
لكن الضمير الإنساني حال دون تحويل الحصار إلى أمر طبيعي، فجاءت أساطيل الإغاثة لتبلور موقفا دوليا رافضا لتجويع غزة، وخلقت وقائع سياسية لم تكن في حسابات تل أبيب، لأن كل اعتراض لسفينة يحول الحصار إلى عنوان إدانة جديد.
وبمرور الوقت، توسعت دائرة المشاركين في حملات الإغاثة، فبعد أن بدأت بنشطاء من تيارات فكرية مختلفة، صارت تضم أطباء ومحامين وشخصيات حقوقية وسياسية، وهو تحول يضيق الخناق على الاحتلال لأنه يجعله في مواجهة مواطنين أوروبيين وأستراليين وآسيويين لا فلسطينيين وحدهم.
وفي الأسبوع الماضي، أعلنت رئيسة أيرلندا كاثرين كونولي أن شقيقتها الطبيبة والناشطة الحقوقية مارغريت كونولي كانت بين المحتجزين مع عدد من المواطنين الأيرلنديين، ووصفت الواقعة بأنها اختطاف غير قانوني في المياه الدولية، بما نقل الأزمة إلى مستوى أوروبي بالغ الحساسية.
ويعني اعتقال شخصية طبية وحقوقية قريبة من رأس دولة أوروبية أن تل أبيب لم تعد تواجه حملة رمزية سهلة الاحتواء، بل أزمة سياسية قد تمتد إلى الاتحاد الأوروبي، خصوصا مع تزايد الغضب من تعامل بن غفير مع المحتجزين ومن صور الإذلال العلني.
ولهذا تتحول أنشطة الإغاثة إلى وقائع سياسية تتحدى الاحتلال وداعميه، لأن إسرائيل تضع قرار استخدام الطعام والشراب كسلاح موضع التنفيذ، وتراهن على انشغال العالم وعلى الحماية الأمريكية، بينما يثبت النشطاء أن الإصرار المدني قادر على تفكيك هذه الرهانات.
كما أن اعتقال شقيقة رئيسة دولة أوروبية يمثل تحولا جوهريا في طبيعة الصدام بين إسرائيل وحركات التضامن الدولي، لأنه ينقل المواجهة من هامش النشاط الحقوقي إلى قلب العلاقات الدبلوماسية، ويضع مستقبل العلاقات الأيرلندية الإسرائيلية المتوترة أصلا أمام اختبار جديد.
الجوع كسلاح مقاومة ومعركة كرامة
لا تبدو سياسة الاحتلال ناجحة رغم قسوتها، بل ربما أسهمت في توسيع دائرة الصراع ووضع القوات الإسرائيلية في مواجهة العالم، فالعزلة التي عرفها الاحتلال في مراحل سابقة عادت بأشكال جديدة، كما حدث بعد خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة في نوفمبر 1974.
وفي ذلك الخطاب، دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى قلب الشرعية الدولية، عندما تحدث عرفات أمام الجمعية العامة بوصفه ممثلا لحركة تحرر وطني، فأصبح الصوت الفلسطيني قادرا على نقل قضية اللاجئين والاحتلال من ساحات المخيمات إلى منابر الدبلوماسية الدولية.
وبالمنطق نفسه، تدفع غطرسة بن غفير وتفوقه العسكري المتخيل نحو توسيع الموقف الدولي ضد حكومته، لأن اقتحاماته للأقصى ودعواته لطرد الفلسطينيين وتوزيع السلاح على المستوطنين وتسريع الاستيطان تضع الاحتلال في مواجهة القانون الإنساني الدولي لا في مواجهة خصم محلي فقط.
يضاف إلى ذلك أن إجراءات بن غفير ضد الأسرى الفلسطينيين، مثل تقليص الزيارات والحقوق الأساسية، فاقمت التوترات داخل السجون وخارجها، وحتى حلفاء الاحتلال لا يستطيعون إخفاء الأثر السلبي لسلوكه على أي مسار سياسي يدعي البحث عن السلام.
ومرة أخرى، يقفز الجوع إلى قائمة أسلحة المقاومة ضد الاحتلال، فقد استخدم الأسرى الفلسطينيون الإضراب عن الطعام في معارك طويلة ضد الاعتقال الإداري والظروف التعسفية، وبرزت معركة الأمعاء الخاوية الجماعية في أبريل 2012 بوصفها محطة كبرى في تاريخ الحركة الأسيرة.
وفي تلك المعارك، ظهرت أسماء مثل خضر عدنان وسامر العيساوي ضمن مسار مقاومة غير مسلحة أتقنها الفلسطينيون عبر نضال طويل، حيث استطاعوا مرارا محاصرة الاحتلال سياسيا وأخلاقيا، حتى عندما امتلك السجان القوة والباب والحديد والإجراءات اليومية.
ولذلك استمر الدعم الدولي للقضية الفلسطينية عابرا للقارات والحدود، لأن عدالة القضية جذبت شعوبا وحركات تحرر عانت من الاستعمار والاحتلال والاستغلال، ودفعت مناضلين في مناطق بعيدة إلى تحويل التضامن من بيان سياسي إلى مشاركة عملية في الإغاثة وكسر الحصار.
كما وسعت هذه الحركة الشعبية دوائر رفض السياسة الأمريكية، حتى لم يبق لدى نزلاء البيت الأبيض سوى التلويح بالقوة ضد خصومهم ومحاولة حماية الاحتلال من ثمن أفعاله، بينما يتحول كل مشهد جوع في غزة إلى اتهام مباشر للنظام الدولي.
وفي الخلاصة، يعد مشروع سفن الإغاثة واحدا من أهم المشاريع الإنسانية التي تهدد سياسة الحصار والتجويع الإسرائيلية، ولذلك تسارع قوات الاحتلال إلى التصدي له واعتقال المشاركين فيه والتنكيل بهم، لأن وصول الغذاء إلى غزة يهزم رواية السيطرة قبل أن يهزم الحصار.
ولا شك أن المشروع الإغاثي أحرج الأوروبيين كثيرا، لأنه أظهر عجزهم السياسي وتلكؤهم الإنساني وعدم استعدادهم لاتخاذ مواقف قوية لكسر حصار ينهش أجساد المحرومين من الغذاء والدواء، بينما تحمل المتطوعون عبء الفعل الذي تهربت منه الحكومات.
أما المتطوعون الذين التحقوا بأساطيل الإغاثة، فقد سجلوا أسماءهم في ملفات البطولة المدنية، وأثبتوا وفاءهم العملي لمشروع إنقاذ أهل غزة من المجاعة، ليصبح مشهد أسرهم دليلا على أن الكرامة قد تنتصر أحيانا من داخل القيد، وأن الاحتلال يخسر أخلاقيا كلما حاول إذلال من جاءوا بالخبز.

