أعلن الجيش اللبناني، صباح اليوم السبت ، استشهاد عدد من عسكرييه بينهم ضابط، بعد غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق الخردلي النبطية في جنوب لبنان، ما فجّر غضبًا رسميًا واسعًا ورفع مستوى القلق من انهيار التهدئة الهشة.
وتأتي الغارة في وقت يفترض أن تعمل فيه مفاوضات واشنطن و”إعلان النوايا” على تثبيت وقف إطلاق النار، لكن استهداف دورية للجيش اللبناني، لا موقعًا لحزب الله، يضع الدولة اللبنانية نفسها تحت النار، ويكشف حدود الضمانات الأمريكية أمام آلة التصعيد الإسرائيلية.
استهداف الجيش يرفع سقف التصعيد
قال الجيش اللبناني في بيان إن غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق الخردلي النبطية، وأسفرت عن استشهاد عدد من العسكريين بينهم ضابط، واصفًا الهجوم بأنه عدواني وهمجي في ظل تواصل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وشعبه.
ومن جهتها، ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية أن ضابطًا برتبة عميد في الجيش اللبناني وسائقه استشهدا في الغارة التي استهدفت سيارة رباعية الدفع على طريق الخردلي النبطية، بينما لم تقدم تفاصيل إضافية عن ظروف الاستهداف.
لاحقًا، دان الرئيس اللبناني جوزاف عون الاعتداء بأشد العبارات، وقال إن الغارة استهدفت دورية للجيش اللبناني وأدت إلى استشهاد ضابطين وعسكري، معتبرًا أن الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية والقوانين والأعراف الدولية.
وبذلك لم يعد التصعيد محصورًا في استهداف مناطق حدودية أو مواقع تقول إسرائيل إنها مرتبطة بحزب الله، لأن ضرب الجيش اللبناني يوسع دائرة الخطر، ويفتح مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية التي تطالب واشنطن وتل أبيب بتعزيز دورها في الجنوب.
كما ربط عون الغارة بسياق التصعيد المستمر، رغم الجهود التي يبذلها لبنان في مفاوضات واشنطن لوضع حد للاعتداءات الإسرائيلية، وهو موقف يعكس شعور بيروت بأن التفاوض يجري تحت ضغط النار لا تحت ضمانات حقيقية.
وأكد الرئيس اللبناني أن الجيش يدفع دماء ضباطه وعسكرييه دفاعًا عن الوطن وسيادته، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته ووضع حد للاعتداءات المتكررة، وضمان احترام القرارات الدولية بما يحفظ أمن لبنان واستقراره.
غارات متزامنة رغم إعلان النوايا
لم تكن غارة الخردلي حدثًا منفصلًا عن موجة أوسع من القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان، إذ شن الطيران الحربي الإسرائيلي فجر السبت غارتين على بلدة سحمر في قضاء البقاع الغربي، استهدفتا حسينية البلدة ومقر الكشاف.
كما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن الطيران الإسرائيلي شن غارة ليلية على وادي جرنايا في منطقة جزين، فيما استهدفت مسيرة إسرائيلية منطقة الخلة في بلدة جويا بقضاء صور، ضمن توسع واضح في نطاق الضربات.
وتابعت الوكالة أن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ غارة أخرى على بلدة الزرارية في قضاء صيدا، بينما تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن غارات إضافية طالت بلدات ومناطق في الجنوب، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي والاستطلاعي.
وقبل ذلك بيوم واحد، قتلت إسرائيل 20 شخصًا وأصابت آخرين خلال عشرات الهجمات على جنوبي لبنان، رغم الإعلان عن تفاهمات سياسية جديدة برعاية أمريكية، وهو ما جعل وقف إطلاق النار يبدو معلنًا على الورق فقط.
وتزامن هذا التصعيد مع ما وصفته واشنطن ولبنان وإسرائيل بأنه “إعلان نوايا” لتنفيذ وقف كامل لإطلاق النار، بعد جولات تفاوض في واشنطن، على أن يبتعد عناصر حزب الله عن منطقة جنوب نهر الليطاني ويتوسع دور الجيش اللبناني.
غير أن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة تضع هذا الإعلان أمام أزمة مصداقية مبكرة، لأن الطرف الإسرائيلي يستمر في القصف، بينما تطلب واشنطن من لبنان تنفيذ التزامات أمنية ثقيلة داخل الجنوب، من دون أن توقف الغارات فعليًا.
وقف إطلاق نار مهدد قبل اختباره
دخل وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ منذ 17 أبريل 2026، قبل أن تمدده الولايات المتحدة حتى مطلع يوليو المقبل، ضمن محاولة لمنع انهيار واسع للجبهة اللبنانية بعد اتساع الحرب المرتبطة بإيران والمنطقة.
وفي ختام أربع جولات تفاوض في واشنطن، أعلنت الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، الخميس، التوصل إلى إعلان نوايا يتضمن وقفًا كاملًا لإطلاق النار من جانب حزب الله، وإبعاد عناصره من منطقة جنوب نهر الليطاني.
لكن الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، رفض نتائج المفاوضات، واعتبرها مرفوضة من شرائح واسعة من الشعب اللبناني، بما يعكس خلافًا داخليًا حادًا حول شروط التهدئة وحدود دور الدولة والجيش في الجنوب.
وتزيد غارة الخردلي من تعقيد هذا الخلاف، لأنها تمنح الرافضين للتفاهمات حجة قوية بأن إسرائيل لا تلتزم بأي مسار تهدئة، وأن الضمانات الأمريكية لا تمنع استهداف الجيش اللبناني نفسه أثناء تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة.
منذ 2 مارس 2026، وعلى خلفية الحرب مع إيران، تشن إسرائيل هجمات واسعة على لبنان، أسفرت حتى الجمعة عن مقتل 3558 شخصًا وإصابة 10870 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص.
وتكشف هذه الأرقام حجم الكارثة التي يعيشها لبنان، لأن الجنوب لم يعد يواجه جولات قصف محدودة، بل حرب استنزاف مفتوحة تضرب المدنيين والعسكريين والبنى المحلية، وتدفع السكان إلى نزوح طويل لا تملك الدولة المنهكة أدوات كافية لاحتوائه.
وفي النهاية، تمثل غارة الخردلي اختبارًا مباشرًا لكل ما قيل عن وقف النار ومفاوضات واشنطن، فإذا لم يفرض المجتمع الدولي وقفًا فعليًا للاعتداءات، سيبقى إعلان النوايا غطاءً سياسيًا لتصعيد إسرائيلي مستمر يدفع لبنان ثمنه من دم جنوده ومدنييه.

