نظمت أحزاب تونسية معارضة ونشطاء حقوقيون، مساء الجمعة 5 يونيو 2026، مسيرة احتجاجية في العاصمة تونس تحت شعار “هات حصيلة حكمك”، للمطالبة بصون الحقوق والحريات، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإلغاء القوانين القمعية.

 

وكشفت المسيرة أن الغضب من حكم قيس سعيد لم يعد محصورًا في بيانات الأحزاب، بل انتقل إلى الشارع عبر تحرك جمع تيارات مختلفة، ربطت بين تدهور الحريات والأوضاع المعيشية، واعتبرت أن البلاد تدفع ثمن انقلاب يوليو 2021 على الدستور والمسار الديمقراطي.

 

معارضة متعددة في شارع واحد ضد حكم سعيد

 

انطلقت المسيرة من ساحة الشهيد محمد البراهمي وصولًا إلى شارع محمد الخامس، وشارك فيها عدد من الأحزاب والقوى السياسية، بينها جبهة الخلاص الوطني، والتيار الديمقراطي، وآفاق تونس، والحزب الجمهوري، والدستوري الحر، وحركة حق، وحزب القطب.

 

وحمل شعار “هات حصيلة حكمك” رسالة سياسية مباشرة إلى قيس سعيد، لأن المحتجين لم يكتفوا برفض القمع، بل طالبوا بمراجعة نتائج الحكم في الصحة والمعيشة والحقوق، ووضعوا السلطة أمام سؤال الإنجاز لا أمام خطاب التخوين المعتاد.

 

كما أظهرت المشاركة الحزبية الواسعة أن معارضي سعيد يحاولون تجاوز الانقسامات القديمة، إذ اجتمعت قوى متباينة حول مطلب مشترك يتعلق بإطلاق السجناء السياسيين واستعادة الحريات، بعد سنوات من تركيز السلطة بيد الرئيس.

 

وقال ناطقون باسم المعارضة إن الأحكام القضائية الأخيرة ضد حركة النهضة، والتي وصلت إلى حد المؤبد، لا يمكن فصلها عن محاولة إشغال الرأي العام عن الفشل الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد.

 

ويأتي هذا الغضب بعد أحكام جديدة في ملف “الجهاز السري” لحركة النهضة، إذ ذكرت الجزيرة أن محكمة تونسية أصدرت أحكامًا تراوحت بين 10 سنوات والسجن المؤبد بحق راشد الغنوشي وعشرات المتهمين.

 

وفي الخلفية، تستند المعارضة إلى رواية سياسية واضحة، تعتبر أن قرارات 25 يوليو 2021 مثلت انقلابًا على الدستور، بعدما جمّد سعيد البرلمان ثم حلّه، وبدأ الحكم بالمراسيم، في مسار وصفته قوى معارضة بأنه تفكيك للديمقراطية الناشئة.

 

السجناء السياسيون في قلب الهتاف

 

رفعت المسيرة مطلب إطلاق سراح السجناء السياسيين إلى صدارة التحرك، لأن ملف الاعتقالات أصبح عنوانًا مركزيًا للأزمة التونسية، خاصة بعد ملاحقات طالت قادة معارضة ومحامين وصحفيين ونشطاء خلال السنوات الأخيرة.

 

وتتزامن هذه المطالب مع استمرار سجن شخصيات بارزة مثل راشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي وغيرهما من قادة المعارضة، في قضايا تصفها السلطة بأنها متعلقة بأمن الدولة، بينما تعتبرها المعارضة والمنظمات الحقوقية قضايا سياسية.

 

وسبق أن نقلت رويترز اعتقال أحمد نجيب الشابي، أحد أبرز معارضي قيس سعيد، لتنفيذ حكم بالسجن 12 سنة في قضية التآمر، ضمن حملة واسعة طالت معارضين بارزين وأثارت اتهامات بتسارع النهج الاستبدادي.

 

كما قالت منظمة العفو الدولية، في فبراير 2026، إن السلطات التونسية كثفت حملتها على قيادة حركة النهضة، وذكرت أن أحكام الغنوشي ارتفعت في عدة قضايا، بينما تطالب عائلته وحزبه بإطلاق سراحه بسبب عمره ووضعه الصحي.

 

وتحولت الأحكام الثقيلة إلى وقود سياسي جديد للمعارضة، لأنها ترى أن القضاء لم يعد ساحة مستقلة للفصل في الاتهامات، بل أصبح أداة لترهيب الخصوم وإقصائهم من المجال العام قبل أي منافسة سياسية حقيقية.

 

ومن هنا، لم يكن الهتاف لإطلاق السجناء السياسيين مطلبًا إنسانيًا فقط، بل كان اعتراضًا على طريقة حكم كاملة، تعتمد على محاصرة الأحزاب وإضعاف الإعلام وتطويع القضاء، بدل فتح المجال لمحاسبة السلطة عبر الصندوق والرقابة الشعبية.

 

وتقول المعارضة إن انضمام بعض مناصري مسار سعيد السابقين إلى التحركات الاحتجاجية يكشف اتساع خيبة الأمل، بعدما اكتشف قطاع من مؤيديه أن وعود التطهير لم تنتج عدالة ولا رخاء، بل مزيدًا من العزلة والخوف.

 

الحريات حبيسة القوانين القمعية

 

طالب المحتجون بإلغاء القوانين القمعية التي استخدمت خلال السنوات الماضية ضد معارضين وصحفيين وناشطين، وعلى رأسها التشريعات المرتبطة بالنشر والتواصل الرقمي، والتي تحولت في نظر الحقوقيين إلى سلاح ضد النقد السياسي.

 

وتعززت المخاوف الحقوقية بعد قضايا متكررة مرتبطة بحرية التعبير، بينها حكم بالإعدام صدر في أكتوبر 2025 ضد رجل بسبب منشورات منتقدة للرئيس على فيسبوك، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقًا بعد انتقادات واسعة.

 

كما وثقت الجزيرة، في ديسمبر 2025، شهادات أقارب سجناء سياسيين اعتبروا أن تونس تمر بأزمة حقوقية غير مسبوقة، وربطوا الاعتقالات بالمرسوم 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.

 

وتعتبر قوى المعارضة أن تقييد الحريات لا ينفصل عن التدهور الاجتماعي، لأن السلطة التي تغلق المجال السياسي لا تترك للمواطنين أدوات لمحاسبتها على ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وغياب الحلول الاقتصادية.

 

لذلك جاء شعار “هات حصيلة حكمك” كاتهام مزدوج، فهو يطالب سعيد بحصيلة اقتصادية واجتماعية، ويقول في الوقت نفسه إن السلطة فشلت في بناء شرعية إنجاز، فلجأت إلى المحاكم والسجون والتخويف.

 

وفي المقابل، يواصل سعيد الدفاع عن مساره باعتباره تصحيحًا لمحاربة الفساد وإنقاذ الدولة، لكن الشارع المعارض يرى أن النتيجة بعد سنوات من الحكم الفردي هي إضعاف السياسة، وتوسيع الخوف، وترك الأزمات اليومية بلا حلول.

 

وفي النهاية، لا تبدو مسيرة تونس مجرد تحرك عابر ضد أحكام قضائية أو قانون بعينه، بل هي محاولة لإعادة السؤال الأساسي إلى الشارع: ماذا بقي من وعود قيس سعيد بعد إغلاق السياسة وتقييد الحريات وسجن الخصوم وتدهور المعيشة.