طالبت 7 منظمات حقوقية بوقف أعمال إزالة وتفكيك ترام الإسكندرية وتجميد الإجراءات التنفيذية المرتبطة بمشروع تطويره، لحين إجراء مراجعة شاملة وفتح حوار مجتمعي يضم أطراف العمران والتراث والبيئة والنقل.

 

وقالت المنظمات إن ما يجري في مسار ترام الرمل لا يخص وسيلة مواصلات قديمة فقط، بل يمس حق عشرات الآلاف في انتقال آمن ورخيص، ويهدد أحد أبرز معالم الإسكندرية التاريخية تحت لافتة التطوير السريع.

 

ترام يخدم 80 ألف راكب يتحول إلى أزمة يومية

 

بدأت الأزمة مع الإيقاف الجزئي ثم التدريجي لترام الرمل منذ فبراير 2026، ضمن خطة حكومية لتحويل الخط التاريخي إلى نظام نقل حديث، بينما وجد آلاف الركاب أنفسهم أمام بدائل أبطأ وأكثر ازدحامًا وأعلى تكلفة.

 

وقالت المنظمات الحقوقية إن الترام كان يخدم نحو 80 ألف راكب يوميًا قبل بدء أعمال التطوير، وهو رقم يوضح حجم العبء الذي انتقل فجأة إلى الأوتوبيسات وسيارات الأجرة والطرق المزدحمة داخل المدينة.

 

وأضاف البيان المشترك أن شكاوى المواطنين تزايدت منذ الإيقاف الجزئي للخط، بسبب ارتفاع زمن الرحلات اليومية، وتضاعف الاعتماد على وسائل نقل بديلة لا تناسب طلابًا وكبار سن وموظفين اعتادوا مسارًا ثابتًا ومنخفض التكلفة.

 

كما أشارت المنظمات إلى تعرض فتيات ونساء للتحرش والمضايقات داخل الأوتوبيسات المزدحمة، وهو جانب يكشف أن قرار النقل لا يقاس فقط بزمن الرحلة، بل بسلامة المستخدمين وكرامتهم أثناء التنقل اليومي.

 

وتتسع المشكلة لأن الترام لم يكن مجرد خط بين محطات، بل شبكة اجتماعية واقتصادية داخل الإسكندرية، يعتمد عليها سكان أحياء ممتدة للوصول إلى الدراسة والعمل والخدمات دون تحمل أسعار النقل الخاص.

 

هدم محطات وساعة بولكلي يفتح ملف الذاكرة

 

وانتقدت المنظمات استمرار إزالة أجزاء من البنية التحتية للترام، معتبرة أن هدم محطات ومنشآت تاريخية مرتبطة به يضرب جزءًا أصيلًا من التراث العمراني للمدينة، بدل التعامل معه كأصل قابل للتحديث والحماية.

 

وذكر البيان أن أعمال الإزالة طالت محطات مثل فيكتوريا وبولكلي وباكوس، إلى جانب إزالة ساعة بولكلي التاريخية، وهي عناصر ارتبطت بذاكرة الإسكندريين اليومية وبشكل المدينة أكثر من ارتباطها بوظيفة النقل فقط.

 

ويكشف هذا المسار أن الحكومة تتعامل مع التطوير باعتباره عملية هندسية مغلقة، بينما تتجاهل أن ترام الرمل ظل لعقود جزءًا من هوية المدينة، وواحدًا من الشواهد الحية على تاريخ النقل الحضري في مصر.

 

وفي المقابل، تؤكد وزارة النقل أن المشروع لا يستهدف إزالة الترام، بل إعادة تأهيله وتحديث مساره وأنظمة الإشارات والتحكم، وتوريد عربات جديدة ترفع كفاءة التشغيل وتقلل زمن الانتظار.

 

لكن الجدل لا يتعلق بمبدأ تطوير الترام، بل بطريقة التنفيذ، لأن إزالة منشآت تاريخية وقطع أشجار وإيقاف مرفق حيوي قبل حوار مجتمعي فعلي تجعل التطوير أقرب إلى فرض أمر واقع لا إلى تحسين خدمة عامة.

 

محكمة وتمويل أجنبي ومشروع يتقدم رغم الاعتراض

 

تزامنت مطالب المنظمات مع نظر محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية دعوى تطالب بوقف تنفيذ قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3508 لسنة 2021، الذي اعتبر مشروع تطوير وإعادة تأهيل ترام الرمل من أعمال المنفعة العامة.

 

وتستهدف الدعوى وقف أعمال الإزالة والإيقاف الكلي للمشروع لحين الفصل في موضوعها، في وقت تمضي فيه الأعمال التنفيذية على الأرض، بما يضع القضاء أمام مشروع تتحرك معداته أسرع من مسار الرقابة المجتمعية.

 

وتقول وزارة النقل إن التطوير سيخفض زمن الرحلة من نحو ساعة إلى 30 دقيقة، ويقلل زمن التقاطر إلى 3 دقائق، ويرفع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 140 ألف راكب يوميًا بعد اكتمال المشروع.

 

وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع الممتد بطول 13.2 كيلومتر نحو 363 مليون يورو، مع تمويل أجنبي بقيمة 238 مليون يورو من مؤسسات دولية، بينها الوكالة الفرنسية للتنمية وبنك الاستثمار الأوروبي.

 

كما تتولى شركة هيونداي روتم الكورية تصنيع وتوريد 30 عربة جديدة بطول 65 مترًا للعربة الواحدة، ضمن عقد تتجاوز قيمته 100 مليون يورو، لتشغيلها على المسار بعد انتهاء أعمال التطوير.

 

ورغم هذه الأرقام، يبقى السؤال الذي تطرحه المنظمات حاضرًا بقوة: هل يكفي التمويل الكبير والعربات الحديثة لتبرير هدم الذاكرة وتعطيل مرفق شعبي دون بدائل عادلة ومؤمنة للركاب والعاملين.

 

كما يثير ملف العمالة المرتبطة بالترام جانبًا آخر من الأزمة، إذ تحدثت المنظمات عن حالة عدم يقين بشأن أوضاع العاملين ومستحقاتهم بعد توقف التشغيل، إلى جانب شكاوى من سائقي النقل البديل حول تأخر المستحقات.

 

وتضيف المخاوف البيئية طبقة جديدة للملف، مع الحديث عن قطع أشجار على امتداد المسار في مدينة ساحلية تواجه تحديات مناخية متزايدة، ما يجعل تقليص الغطاء الأخضر جزءًا من كلفة غير معلنة للمشروع.

 

وفي النهاية، لا تبدو معركة ترام الإسكندرية معركة ضد التطوير، بل ضد نسخة حكومية منه تتقدم بالجرافات قبل الحوار، وتستبدل مرفقًا شعبيًا وذاكرة عمرانية بخطة ممولة لا تزال عاجزة عن إقناع أصحاب المدينة.