ناقش وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، اليوم الإثنين 8 يونيو 2026، جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، بالتزامن مع تصاعد الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل واتساع القلق من تمدد المواجهة إلى لبنان والخليج.

 

وجاء الاتصال في لحظة شديدة الحساسية، بعدما تحولت الضاحية الجنوبية لبيروت والقواعد الجوية الإسرائيلية والمواقع الإيرانية إلى عناوين متلاحقة للتصعيد، بينما تحاول الدوحة والرياض والقاهرة دفع المسار السياسي قبل أن تفرض الحرب إيقاعها على المنطقة كلها.

 

 

وساطة قطرية تحت ضغط الصواريخ

 

أكدت وزارة الخارجية القطرية أن محمد بن عبد الرحمن آل ثاني شدد خلال اتصاله بعراقجي على دعم قطر لكل الجهود الرامية إلى احتواء التصعيد، والتوصل إلى اتفاق شامل يعزز الأمن والاستقرار ويخدم السلام المستدام في المنطقة.

 

وفي اتصال مواز، بحث الوزير القطري مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مسار الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران وسبل دفعه قدمًا، في إشارة إلى رغبة خليجية في منع انتقال المواجهة من التبادل المباشر إلى انفجار أوسع.

 

وتكشف التحركات القطرية أن الدوحة تحاول تثبيت موقعها كقناة اتصال بين طهران وواشنطن، خصوصًا بعدما بات التصعيد العسكري يهدد مسارات التفاوض، ويضع أمن الطاقة والملاحة في الخليج أمام اختبارات متكررة.

 

كما أن التنسيق القطري السعودي يحمل رسالة سياسية واضحة، لأن الرياض لا تريد ترك ملف الوساطة في يد طرف واحد، ولا ترغب في أن يتحول أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل إلى ترتيبات تتجاهل هواجس دول الخليج.

 

وبهذا المعنى، لم يعد الاتصال القطري الإيراني مجرد تبادل دبلوماسي، بل محاولة لوقف انزلاق متسارع، بعدما أصبح كل رد عسكري يفتح الباب أمام رد جديد، وكل ضربة تستدعي توسيع بنك الأهداف.

 

 

عملية نصر ترفع سقف المواجهة

 

ميدانيًا، أعلن الحرس الثوري الإيراني بدء عملية “نصر” ضد قاعدتي تل نوف ونيفاتيم الجويتين الإسرائيليتين، وقال إن العملية جاءت ردًا على هجمات إسرائيلية استهدفت مواقع رادارية في مناطق داخل إيران.

 

وتكتسب القاعدتان أهمية عسكرية كبيرة في الخطاب الإيراني، لأن استهدافهما يهدف إلى إظهار أن الرد لا يقتصر على رسائل رمزية، بل يطال مراكز مرتبطة بالقوة الجوية الإسرائيلية وقدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة.

 

وفي المقابل، شن الجيش الإسرائيلي هجمات على مناطق عدة داخل إيران، وتحدثت تقارير عن ضرب مواقع دفاع جوي وطائرات مسيرة، إضافة إلى استهداف مجمع بتروكيماويات في ماهشهر جنوب غربي إيران.

 

وتقول طهران إن ردها جاء بعد ضربات إسرائيلية وتصعيد مرتبط بلبنان، بينما تؤكد إسرائيل أنها تتحرك ردًا على هجمات إيرانية، لتدخل المنطقة في دائرة اتهامات متبادلة تجعل وقف النار أصعب من إطلاق الصواريخ.

 

كما أن إدخال لبنان في قلب المشهد يضاعف خطورة الجولة الحالية، لأن أي استهداف للضاحية الجنوبية أو مواقع مرتبطة بحزب الله قد يحول المواجهة من حرب بين إيران وإسرائيل إلى اشتباك إقليمي متعدد الجبهات.

 

وتوضح سرعة الرد الإيراني واتساع الأهداف أن طهران تريد تثبيت معادلة رد فوري، بينما تسعى إسرائيل إلى كسر هذه المعادلة بضربات استباقية أو انتقامية، وهو ما يجعل الوساطة تتحرك تحت ضغط عسكري مباشر.

 

 

ردود عربية تبحث عن خفض التصعيد

 

عربيًا، تصدرت قطر المشهد بدعوتها إلى احتواء التصعيد والتجاوب مع الوساطة بين واشنطن وطهران، بينما دخلت السعودية على خط التشاور مع الدوحة، في محاولة لتنسيق موقف خليجي لا يترك المنطقة رهينة لحسابات طهران وتل أبيب.

 

وفي القاهرة، قالت مصر في موقف سابق متصل بالتصعيد إن الحلول العسكرية لا تنهي أزمات المنطقة، مؤكدة أن المسارات السياسية والسلمية هي الطريق الوحيد، كما واصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاته مع أطراف دولية لخفض التوتر. .

 

وتحاول مصر ربط التصعيد الحالي بملفات أوسع، بينها غزة ولبنان وأمن البحر الأحمر والطاقة، لأن أي توسع للحرب سيضغط على قناة السويس والأسواق والأسعار، ولن يبقى محصورًا في ساحات القصف.

 

أما خليجيًا، فتخشى العواصم العربية من تكرار سيناريو انتقال الصواريخ إلى أجواء ومياه المنطقة، لذلك يبدو الخطاب الخليجي أقرب إلى تهدئة حذرة: رفض للتصعيد، ودعم للوساطة، وتحسب من أي تجاوز للسيادة.

 

وفي الخلفية، تتحرك تركيا وباكستان إلى جانب قطر ومصر في مسارات متعددة الأطراف، وفق الطرح الدبلوماسي المتداول، بهدف إبقاء باب التسوية مفتوحًا أمام ملفي الأمن الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني.

 

لكن هذه الجهود تواجه اختبارًا صعبًا، لأن كل طرف يحاول تحسين موقعه تحت النار قبل العودة إلى الطاولة، وطهران تريد ضمانات، وتل أبيب تريد ردعًا، وواشنطن تريد اتفاقًا لا يبدو تنازلًا تحت الضغط.

 

وفي النهاية، تبدو المنطقة أمام سباق واضح بين الهاتف والصاروخ: قطر والسعودية ومصر تدفع نحو احتواء التصعيد، بينما ترفع إيران وإسرائيل كلفة المواجهة يومًا بعد يوم، وما لم تتقدم الوساطة سريعًا، فقد تتحول الجولة الحالية إلى حرب أوسع لا يملك العرب ترف الوقوف خارج آثارها.