كشفت دراسة الأثر التشريعي لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 عن توسع كبير وغير مبرر في استخدام عقود العمل محددة المدة داخل منشآت وشركات، بما حول العقد المؤقت من أداة تنظيم إلى وسيلة ضغط تهدد الاستقرار الوظيفي.

 

وحركت النائبة أمل عصفور طلب إحاطة موجها إلى رئيس الوزراء ووزير العمل، بعد شكاوى من تجديد العقود بالشروط نفسها، والتحايل على الحد الأدنى للأجور، وضعف التفتيش العمالي، وسط قلق متزايد بين آلاف الأسر.

 

عقود محددة المدة تتحول إلى باب خلفي للفصل

 

في البداية، تكشف الدراسة أن العقود محددة المدة خرجت عن غايتها القانونية، لأن بعض الشركات تستخدمها كقاعدة دائمة في أعمال مستمرة، لا كاستثناء مرتبط بطبيعة نشاط مؤقت أو موسم إنتاج محدد.

 

وبحسب المذكرة البرلمانية، تجدد مؤسسات عديدة العقد بعد انتهاء مدته بالشروط نفسها والمضمون نفسه، دون وجود سبب مهني واضح، بما يترك العامل داخل حالة انتظار مستمرة لقرار التجديد أو الاستبعاد.

 

لذلك تفقد علاقة العمل توازنها الطبيعي، لأن صاحب العمل يحتفظ بسلطة إنهاء العلاقة عبر عدم التجديد، بينما يظل العامل عاجزا عن المطالبة بحقوقه خشية فقدان مصدر رزقه في أي لحظة.

 

في هذا المحور، يخدم رأي كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، جوهر الأزمة، إذ انتقد استمرار مشكلات الأجور والعقود المؤقتة والأمان الوظيفي والفصل التعسفي منذ قانون 13 لسنة 2003.

 

كما حذرت دار الخدمات النقابية من استخدام العامل بعقد مؤقت في عمل دائم، واعتبرت ذلك التفافا على الحقوق، لأن صاحب العمل يمسك بأداة إنهاء العلاقة دون تحمل تبعات الفصل التعسفي.

 

ومن ثم يصبح قانون العمل الجديد أمام اختبار حقيقي، فالنص الذي يرفع شعار التوازن بين طرفي العلاقة التعاقدية يفقد قيمته عندما يترك العامل تحت تهديد دوري باسم انتهاء مدة العقد.

 

وتوضح شكاوى العمال أن الأزمة ليست نظرية قانونية، بل ممارسة يومية داخل قطاعات مختلفة، حيث يعمل العامل سنوات في الوظيفة نفسها، ثم يظل قانونيا في موقع مؤقت بلا ضمان كاف.

 

أجور مجزأة وتحايل على الحد الأدنى

 

على مستوى الأجور، تشير الدراسة إلى تزايد ممارسات الالتفاف على الحد الأدنى للأجور، عبر تجزئة الدخل إلى عناصر غير ثابتة، أو ربط جزء كبير منه بمكافآت وبدلات غير مضمونة.

 

وبهذا الأسلوب، يظهر العامل على الورق كأنه يحصل على أجر مقبول، بينما يتسلم فعليا دخلا أقل استقرارا، لأن البنود المتغيرة لا تمنحه حماية شهرية ولا تدخل دائما في حساب حقوقه.

 

كذلك تؤدي الشروط الداخلية التي تفرضها بعض الشركات إلى خفض الأجر الفعلي، سواء عبر خصومات أو أهداف إنتاجية أو مكافآت مشروطة، بما يحول الحد الأدنى إلى رقم معلن لا حماية عملية.

 

وفي هذا السياق، تدعم ملاحظات خالد البلشي، نقيب الصحفيين، محور الأجر بوضوح، إذ شدد على ضرورة توحيد تعريف الأجر والاعتداد بالأجر الشامل، لمنع التلاعب بين قرارات الحكومة وتطبيقات المؤسسات.

 

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها لأن اختلاف تعريفات الأجر يسمح لأصحاب العمل بتفريغ الحد الأدنى من مضمونه، إذ يستطيع صاحب العمل فصل الأساسي عن المتغيرات، ثم يترك العامل أمام دخل غير مضمون.

 

وبالتالي لا يكفي إعلان حد أدنى للأجور إذا ظلت المنشآت قادرة على إعادة هندسة الراتب داخليا، لأن العامل يحتاج أجرا ثابتا واضحا يضمن السكن والطعام والتعليم والمواصلات لا وعودا مشروطة.

 

كما يضرب غياب الأمان الوظيفي قدرة الأسرة على التخطيط، لأن العامل صاحب العقد المتجدد لا يعرف هل سيبقى في عمله شهرا آخر، ولا يستطيع ترتيب ديون أو تعليم أو علاج بثقة.

 

وبمرور الوقت، تتحول العقود المؤقتة والأجور المتغيرة إلى آلية مشتركة للضغط، فالعامل الذي يخشى عدم تجديد عقده يصبح أقل قدرة على الاعتراض على أجر منقوص أو بدلات غير مضمونة.

 

تفتيش عمالي غائب وشكاوى تبحث عن حماية

 

في المقابل، تكشف الأزمة فجوة عميقة بين نصوص قانون العمل وواقع التنفيذ، لأن منظومة التفتيش العمالي لا تبدو قادرة على ضبط توسع العقود المؤقتة ولا منع التلاعب بالأجر داخل المنشآت.

 

وتنتقد الدراسة آليات الرقابة بوزارة العمل، لأن العامل لا يحتاج نصا جيدا فقط، بل يحتاج مفتشا فاعلا، وشكوى آمنة، وإجراءات سريعة تمنع صاحب العمل من معاقبته بعد التقدم بالبلاغ.

 

وهنا يخدم رأي أشرف الشربيني، المحامي بالنقض ومدير المكتب القانوني بدار الخدمات النقابية، محور الحماية القانونية، لأنه يتعامل مباشرة مع عيوب عقود العمل المؤقتة وآثارها على حقوق العمال.

 

ومن الناحية العملية، يصبح التفتيش العمالي بلا أثر إذا اكتفى بمحاضر شكلية أو زيارات محدودة، لأن المخالفة الحقيقية تظهر في ملفات الرواتب، وصيغ العقود، وسجلات التجديد، وشكاوى العمال المكتومة.

 

كذلك تزيد الأزمة عندما تتعامل الحكومة مع الغرامات باعتبارها دليلا على الحزم، بينما يبقى العامل داخل المنشأة نفسها مهددا بعدم التجديد أو النقل أو التضييق إذا طالب بحقوقه القانونية.

 

وطالبت أمل عصفور الحكومة بتوضيح أسباب التوسع في العقود محددة المدة، والإجراءات المتخذة لمنع إساءة استخدامها، وآليات الرقابة على الحد الأدنى للأجور، ومدى فاعلية التفتيش في حماية العاملين.

 

وتعني هذه المطالب أن الأزمة وصلت إلى داخل البرلمان نفسه، لأن الشكاوى لم تعد محصورة بين العمال والنقابات، بل صارت سؤالا مباشرا عن قدرة الحكومة على تنفيذ القانون الذي تروج له.

 

غير أن السؤال الأهم يبقى في موقع العمل لا داخل المكاتب، فالعامل يريد عقدا مستقرا وأجرا واضحا ورقابة لا تخاف صاحب العمل، وليس تصريحات حكومية عن حماية لا تصل إلى الواقع.

 

وفي النهاية، يضع قانون العمل الجديد الحكومة أمام مسؤولية واضحة، فإما أن توقف تحويل العقود المؤقتة إلى سلاح ضد العمال، أو تترك سوق العمل مفتوحا على هشاشة أوسع وغضب اجتماعي أكبر.