بعد نحو شهرين من الهدنة الهشة، خرجت إيران من حالة الترقب الإستراتيجي وأعادت إشعال المشهد الإقليمي عبر موجة من الضربات الصاروخية المتتالية باتجاه إسرائيل مساء الأحد، ردًا على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي المنطقة التي سبق أن اعتبرتها طهران خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه دون رد.

 

وجاء التصعيد في توقيت لافت، تزامنًا مع وصول رسالة أميركية وُصفت بأنها "رفيعة المستوى" إلى طهران عبر الوسيط الباكستاني، ما دفع مراقبين إيرانيين إلى الربط بين مضمون الرسالة والتصعيد الإسرائيلي الأخير، معتبرين أن الهجوم على الضاحية الجنوبية لم يكن بعيدًا عن أجواء الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن، بل جرى -وفق تقديراتهم- تحت مظلة ضوء أخضر أميركي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

 

وفي هذا التزامن بين الرسائل الدبلوماسية والتصعيد العسكري، قرأت طهران المشهد باعتباره محاولة لفرض معادلة جديدة عليها، فجاء ردها موجهًا إلى الطرفين معًا، واشنطن وتل أبيب، في رسالة مفادها أن المفاوضات لا يمكن أن تسير بمعزل عن موازين القوة، وأن الردع الإيراني لا يخضع لجداول الوسطاء ولا لتوقيت المسارات الدبلوماسية.

 

هدنة تتآكل تحت وقع الصواريخ

 

يرى الباحث السياسي صلاح الدين خديو أن الضربة الإيرانية الأخيرة دفعت الهدنة القائمة إلى حافة الانهيار، مؤكدًا أنها لم تعد مجرد هدنة هشة، بل فقدت الكثير من قيمتها العملية بعد التطورات الأخيرة.

 

وأوضح أن ما جرى لم يكن هجومًا رمزيًا أو رد فعل محدودًا، بل عملية مدروسة بعناية تحمل أبعادًا إستراتيجية واضحة. ويشير إلى أن طريقة تنفيذ القصف تكشف عن "هندسة رسالة" دقيقة، حيث جاءت الضربات على شكل موجات صاروخية متتالية ومن قواعد إطلاق متعددة داخل الأراضي الإيرانية.

 

وبحسب خديو، فإن تقليل عدد الصواريخ في كل موجة لم يكن مؤشرًا على محدودية القدرة العسكرية، بل خطوة محسوبة لتقليص فرص الاعتراض وتحقيق تأثير سياسي وعسكري يتناسب مع حجم الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية.

 

أما تنوع مواقع الإطلاق وتتابع الموجات الصاروخية، فيحمل -وفق رؤيته- رسالة مباشرة تؤكد أن القدرات الصاروخية الإيرانية ما زالت تحتفظ بكامل جاهزيتها، وأن سنوات المواجهة والاستهداف لم تؤثر في البنية الأساسية لمنظومة الردع الإيرانية.

 

المأزق الإسرائيلي بين الردع والضغوط الأميركية

 

يعتقد خديو أن أي هجوم صاروخي من هذا النوع يهدف في جوهره إلى فرض معادلة جديدة على إسرائيل، وهو ما يضع تل أبيب أمام معضلة مركبة تجمع بين ضرورات الرد ومتطلبات ضبط النفس.

 

فمن جهة، تحتاج إسرائيل إلى استعادة قوة الردع وترميم الصورة الإستراتيجية التي تعرضت للاهتزاز، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطًا أميركية واضحة تدعو إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة.

 

وعند الحديث عن الخلفية السياسية للتصعيد، يشير الباحث إلى أن العلاقة بين التطورات العسكرية الأخيرة والتحركات الدبلوماسية التي سبقتها لا تزال غير واضحة بالكامل، متسائلًا عما إذا كانت المواجهة الحالية انعكاسًا مباشرًا لحالة الانسداد السياسي التي أصابت جهود الوساطة خلال الأيام الماضية.

 

وفي المقابل، تواجه إيران معضلة لا تقل تعقيدًا؛ فإذا امتنعت عن التصعيد فإنها تخسر إحدى أهم أوراق الضغط التي تمتلكها في مواجهة إسرائيل، أما إذا واصلت التصعيد فإنها تقترب من إسقاط ما تبقى من الهدنة وفتح الباب أمام حرب واسعة قد تتجاوز حسابات جميع الأطراف.

 

معادلة ردع جديدة أم بداية مرحلة أكثر خطورة؟

 

من جانبه، يرى الباحث الإستراتيجي حسين باك أن ما حدث لا يمكن اختزاله في إطار رد عسكري على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بل يمثل إعلانًا عمليًا عن تثبيت معادلة ردع جديدة في المنطقة.

 

ويؤكد أن إسرائيل أمضت سنوات طويلة، عبر أدواتها السياسية والاستخباراتية والعسكرية، في محاولة منع تشكل هذه المعادلة، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن مسار الأحداث يسير في اتجاه مغاير.

 

أربع رسائل إستراتيجية خلف القصف الإيراني

 

بحسب قراءة حسين باك، فإن التصعيد الأخير يحمل أربعة أبعاد إستراتيجية رئيسية.

 

أولها استعادة عنصر المفاجأة، إذ أثبتت إيران أن القدرة على المبادرة لا تزال قائمة رغم سنوات من الاغتيالات والضغوط الأمنية والعسكرية.

 

أما البعد الثاني فيتمثل في تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية للصراع، وإعادة إحياء مفهوم "وحدة الساحات" بوصفه مبدأ عملياتيًا مترابطًا لا يمكن فصله إلى جبهات مستقلة.

 

ويتمثل البعد الثالث في عامل السرعة، حيث جاء الرد الإيراني خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، في رسالة تؤكد أن زمن الانتظار الطويل والردود المتأخرة قد انتهى، وأن أي عمل عسكري يمكن أن يقابله رد سريع ومباشر.

 

أما البعد الرابع والأكثر أهمية، فهو ترسيخ قاعدة اشتباك جديدة تجعل أي اعتداء على لبنان أو أي ساحة مرتبطة بالمحور الإقليمي مرشحًا للتحول إلى مواجهة أوسع تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.

 

أربعة سيناريوهات ترسم مستقبل الأزمة

 

وفي قراءته لمسار الأحداث المقبلة، يرى القيادي السابق في الحرس الثوري حسين كنعاني مقدم أن المنطقة تتجه نحو أحد أربعة سيناريوهات رئيسية.

 

السيناريو الأول يتمثل في اندلاع حرب شاملة تقودها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد إيران، وهو احتمال يراه قائمًا من الناحية النظرية لكنه ضعيف عمليًا بسبب كلفته السياسية والعسكرية الهائلة.

 

ويشير إلى أن استضافة الولايات المتحدة لبطولة كأس العالم المقبلة تجعل من الانخراط في حرب إقليمية واسعة مخاطرة ثقيلة يصعب على واشنطن تحمل تبعاتها الأمنية والاقتصادية واللوجستية.

 

أما السيناريو الثاني فيقوم على تدويل الأزمة عبر دخول قوى دولية مؤثرة مثل الصين وربما روسيا على خط الوساطة، بما يفضي إلى تفاهمات أوسع تشمل الملف النووي الإيراني وترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

 

ترمب بين خيار القوة وخيار التسوية

 

السيناريو الثالث يرتبط بحسابات السياسة الداخلية الأميركية، ويقوم على احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية محدودة تحقق مكاسب سياسية للرئيس دونالد ترمب يمكن توظيفها انتخابيًا خلال الاستحقاقات المقبلة.

 

غير أن السيناريو الرابع، الذي يصفه كنعاني بأنه الأكثر واقعية، يتمثل في تدخل سياسي مباشر من ترمب لوقف التصعيد عبر ضغوط على إسرائيل وتفعيل قنوات الوساطة القائمة للوصول إلى اتفاق مرحلي يجمّد المواجهة ويؤجل الملفات الخلافية الكبرى إلى جولات تفاوض لاحقة.

 

وبموجب هذا التصور، يجري تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، مقابل استمرار التفاوض حول الملفات الأكثر حساسية وعلى رأسها البرنامج النووي ومستويات التخصيب.

 

وفي المحصلة، تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المبادرات السياسية، فيما تشير التحركات الدبلوماسية المكثفة خلال الأسابيع الماضية إلى أن خيار الحرب الشاملة لا يزال بعيدًا عن كونه المسار الوحيد. وبين التصعيد والتهدئة، تبقى الأيام القليلة المقبلة كفيلة بالكشف عن أي السيناريوهات سيغادر صفحات التحليل ليتحول إلى واقع على الأرض.