يرى الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن الخطاب الحكومي في مصر يركز بصورة مستمرة على ما تحقق من مشروعات كبرى خلال السنوات التي تلت عام 2013، مثل مشروعات البنية التحتية والعاصمة الإدارية الجديدة، إلا أن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية -بحسب قراءته- تعكس واقعًا مختلفًا يتمثل في اتساع دائرة الفقر وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، إلى جانب الضغوط التي تتعرض لها الطبقة الوسطى.

 

ويشير الكاتب إلى أن بيانات الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 تكشف وجود أكثر من خمسة ملايين أسرة تستفيد من برامج الضمان الاجتماعي، وهو ما يراه مؤشرًا على اتساع شريحة الأسر الواقعة تحت خط الفقر. كما يلفت الانتباه إلى تأخر صدور بيانات الفقر الرسمية لعدة سنوات، رغم أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اعتاد إصدار مسح الدخل والإنفاق الأسري بصورة دورية كل عامين، الأمر الذي يثير -بحسب المقال- تساؤلات حول حجم التغيرات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال هذه الفترة.

 

مخصصات الدعم الاجتماعي تحت المجهر

 

ويتوقف الصاوي عند حجم المخصصات الموجهة للأسر الفقيرة في الموازنة الجديدة، موضحًا أن نحو 55 مليار جنيه خُصصت لأكثر من خمسة ملايين أسرة مستفيدة من الضمان الاجتماعي، بما يعني أن متوسط ما تحصل عليه الأسرة سنويًا يظل محدودًا مقارنة بمتطلبات المعيشة الأساسية. ويرى أن هذه الأرقام تعكس فجوة واضحة بين احتياجات الأسر الفقيرة وبين حجم الدعم المقدم لها.

 

كما يقارن الكاتب بين المبالغ المخصصة للحماية الاجتماعية وبين ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، معتبرًا أن نصيب الأسرة من الدعم الشهري لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وتعليم ورعاية صحية وسكن، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية شبكات الحماية الاجتماعية الحالية في مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.

 

سياسات الإصلاح الاقتصادي واتساع دائرة الفقر

 

وفي تحليله لأسباب تفاقم الأوضاع الاجتماعية، يربط الصاوي بين توسع رقعة الفقر وبين حزمة الإجراءات الاقتصادية التي بدأت منذ عام 2014، وشملت تقليص الدعم ورفع أسعار العديد من السلع والخدمات العامة، إضافة إلى خفض قيمة الجنيه المصري. ويرى أن هذه السياسات أدت إلى تآكل الدخول الحقيقية للمواطنين وارتفاع تكلفة المعيشة بصورة كبيرة.

 

ويستعرض الكاتب تطور أعداد المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، مشيرًا إلى أن عدد الأسر المستفيدة ارتفع من نحو 1.5 مليون أسرة في موازنة 2014/2015 إلى أرقام أكبر بعد إطلاق برنامجي "تكافل وكرامة". كما يستشهد بتصريحات رسمية سابقة تحدثت عن وجود ما يقارب 12 مليون أسرة فقيرة، معتبرًا أن ذلك يكشف وجود ملايين الأسر خارج مظلة الدعم المباشر رغم احتياجها إليه.

 

الفئات الأكثر هشاشة ومعضلة الدخل

 

ويؤكد الصاوي أن أزمة الفقر لا تقتصر على المستفيدين من برامج الضمان الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى شرائح واسعة من العاملين وأصحاب المعاشات الذين يحصلون على دخول محدودة لا تواكب الارتفاع المستمر في الأسعار. ويرى أن الحد الأدنى للأجور والمعاشات ما زال محل جدل واسع في ظل تزايد تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة الأساسية.

 

كما يلفت إلى أن بعض العاملين في القطاعات الحكومية غير المتميزة، إلى جانب أصحاب المعاشات، يواجهون تحديات كبيرة في توفير احتياجات أسرهم، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات الأساسية، وهو ما يزيد من الضغوط الواقعة على الشرائح الأقل دخلًا.

 

العمالة غير الرسمية وأزمة الأمان الاجتماعي

 

ويخصص الكاتب مساحة للحديث عن أوضاع العاملين في القطاع غير الرسمي، معتبرًا أنهم من أكثر الفئات تعرضًا للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. فهذه الشريحة -بحسب المقال- غالبًا ما تفتقر إلى التأمينات الاجتماعية والصحية، كما تعتمد على دخول غير مستقرة وظروف عمل صعبة تتفاقم مع التقدم في العمر.

 

ويشير إلى أن الكثير من العاملين في المهن الحرة والأعمال اليومية يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات معيشية وصحية متراكمة دون وجود شبكات حماية كافية، ما يجعل أوضاعهم أكثر تعقيدًا مقارنة بغيرهم من الفئات.

 

الأمان الاجتماعي يتجاوز الدعم النقدي

 

ويؤكد الصاوي أن مفهوم الأمان الاجتماعي لا يقتصر على تقديم مساعدات مالية محدودة، بل يشمل توفير بيئة تضمن للمواطن مستوى مناسبًا من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية وفرص الحياة الكريمة. ومن هذا المنطلق، يرى أن تقييم نجاح السياسات الاجتماعية يجب أن يرتبط بمدى انعكاسها على جودة حياة المواطنين لا بحجم المخصصات المالية فقط.

 

ويستشهد الكاتب بعدد من الظواهر الاجتماعية التي شهدها المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، مثل زيادة الرغبة في الهجرة، وارتفاع معدلات الطلاق، وتأخر الزواج، وبعض المشكلات المرتبطة بالمخدرات والانتحار، معتبرًا أن هذه المؤشرات تعكس ضغوطًا اجتماعية واقتصادية متراكمة تحتاج إلى معالجة شاملة.

 

تساؤل مفتوح حول مستقبل العدالة الاجتماعية

 

ويختتم الصاوي مقاله بالتساؤل حول جدوى وجود مخصصات للأمان الاجتماعي في الموازنة العامة إذا كانت لا تغطي جميع الأسر المحتاجة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع القدرة الشرائية للدخول. ويرى أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر قدرة على حماية الفئات الضعيفة وتحقيق توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية، بما يضمن مشاركة المواطنين في رسم أولويات الإنفاق العام ومراقبة أثرها على حياتهم اليومية.