كشفت مطالبات برلمانية متجددة وبيانات رسمية صادرة عن وزارة البيئة استمرار الجدل حول مصنع تدوير وطحن عظام الحيوانات بمنطقة عبود في شبرا الخيمة، القائم على مساحة تبلغ نحو 15 ألف متر مربع، وسط شكاوى متواصلة من السكان بشأن الروائح المنبعثة منه، بينما لم تسفر سنوات الاعتراضات المتكررة عن اتخاذ قرار بنقل النشاط أو إيقافه رغم وجود منشآت سكنية وتعليمية وصحية على مسافات قريبة من المصنع.
وتعيد القضية إلى الواجهة تساؤلات متكررة بشأن مسؤولية الجهات الحكومية عن استمرار أنشطة صناعية ذات آثار بيئية داخل مناطق شهدت توسعاً عمرانياً كثيفاً خلال العقود الأخيرة، في وقت يقول فيه السكان إن الروائح النفاذة أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، بينما تتبادل الجهات المختصة الاختصاصات القانونية دون حسم واضح لمصير المنشأة أو معالجة جذور الأزمة التي تؤثر على آلاف المواطنين.
مصنع عمره عقود وسط المدارس والمستشفيات
تتواصل منذ عقود شكاوى أهالي منطقة عبود بشبرا الخيمة من وجود مصنع متخصص في إعادة تدوير وطحن عظام المواشي على الحدود الفاصلة بين محافظتي القاهرة والقليوبية بالقرب من شارع أحمد حلمي، وهي منطقة تضم كثافة سكانية مرتفعة وعدداً من المدارس والمعاهد الأزهرية والمنشآت الخدمية المهمة.
ويؤكد سكان المنطقة أن الروائح المنبعثة من المصنع تمثل مصدراً دائماً للإزعاج، خاصة أن المنشأة تستقبل عظام الحيوانات الواردة من مجازر القاهرة والقليوبية وتستخدمها في إنتاج الغراء والسماد والبويات وبعض المنتجات الصناعية الأخرى المرتبطة بإعادة تدوير المخلفات الحيوانية.
كما يقع المصنع بشارع 135 بمنطقة الوحدة داخل نطاق عمراني توسع بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي جعل المساكن والمنشآت التعليمية والصحية تقترب بصورة متزايدة من موقع النشاط الصناعي الذي ظل يعمل في المكان نفسه لعقود طويلة.
وبحسب تقرير وزارة البيئة فإن أقرب كتلة سكنية متأثرة بالمصنع تقع على بعد نحو 200 متر فقط، بينما توجد بعض المنازل على مسافة تقترب من 100 متر من موقع التشغيل، وهو ما يعزز مخاوف السكان بشأن التأثيرات المحتملة للروائح والانبعاثات.
في المقابل أوضح التقرير أن المصنع ينتج الغراء السائل والمحبب من عظام الحيوانات الواردة من المجازر، وأن الموقع يجاوره من الشمال مصنع للبلاستيك ومن الجنوب ترعة الإسماعيلية ومن الشرق شركة القاهرة للمنتجات المعدنية ومن الغرب شركة سيجوارت للمواسير.
ويرى الخبير البيئي الدكتور حامد فارس أن استمرار الأنشطة الصناعية ذات الانبعاثات والروائح داخل المناطق المكتظة بالسكان يتطلب مراجعة دورية للترخيص البيئي ومدى توافقه مع التغيرات العمرانية التي طرأت على المنطقة خلال العقود الماضية.
وأضاف فارس أن التوسع السكني حول المنشآت القديمة يفرض على الجهات المختصة تحديث تقييم الأثر البيئي بصورة مستمرة، لأن المعايير التي كانت مناسبة قبل عشرات السنين قد تصبح غير كافية مع زيادة الكثافة السكانية وظهور منشآت خدمية جديدة.
تقارير رسمية ترصد مصدر الروائح وتؤكد استمرار النشاط
أوضح تقرير وزارة البيئة أن المصنع يضم أربع غلايات بخارية تعمل بالغاز الطبيعي إضافة إلى وحدات أوتوكلاف تقع في الجزء الجنوبي من الموقع، وهي الوحدات التي ترتبط بعمليات معالجة العظام وإنتاج الغراء الحيواني.
وأشار التقرير إلى أن الروائح المميزة للنشاط الصناعي تظهر بصورة أكبر أثناء نقل معلق الغراء من وحدات الأوتوكلاف إلى ماكينة التبخير التي تعمل على رفع تركيز الغراء من خلال تبخير المياه أثناء مراحل التصنيع المختلفة.
كما أكد التقرير أن المصنع حاصل على ترخيص دائم يحمل الرقم المسلسل 19770 وصادر بتاريخ 18 مايو 1945 لمزاولة نشاط تصنيع غراء عجينة الطباعة، وهو ترخيص ما زال يمثل الأساس القانوني لاستمرار تشغيل المنشأة حتى الآن.
وأوضح التقرير أيضاً أن المخلفات الصلبة العادية يتم التخلص منها عبر تعاقد مع حي غرب شبرا الخيمة، بينما يتم تسليم بقايا العظام غير الصالحة للتصنيع إلى الموردين، في حين يتم تصريف الصرف الصناعي من خلال مخرج مستقل إلى شبكة الصرف الصحي.
من جانبه قال اللواء ماهر هاشم رئيس حي غرب شبرا الخيمة في تصريحات سابقة إن المصنع يعمل منذ عشرات السنين ويحمل ترخيصاً صادراً عن هيئة التنمية الصناعية وليس عن الحي، مؤكداً وجود ملف خاص بالمنشأة داخل الحي.
وأضاف هاشم أن صلاحية إغلاق المصنع لا تعود إلى الحي وإنما إلى هيئة التنمية الصناعية باعتبارها الجهة المختصة بإصدار التراخيص، بينما يقتصر دور الحي على متابعة بعض اشتراطات الحماية المدنية ووسائل مكافحة الحرائق.
ويرى الخبير في شؤون الإدارة المحلية الدكتور خالد داود أن تضارب الاختصاصات بين الجهات المختلفة يؤدي في كثير من الأحيان إلى إطالة أمد المشكلات البيئية، خصوصاً عندما تكون المنشآت قائمة بتراخيص قديمة وتخضع لأكثر من جهة رقابية.
وأشار داود إلى أن المواطن المتضرر لا يعنيه الجدل القانوني بين المؤسسات المختلفة بقدر ما يعنيه وجود جهة واضحة تتحمل المسؤولية عن معالجة الشكوى واتخاذ القرار المناسب إذا ثبت وجود أضرار على السكان.
طلب إحاطة يفتح ملف النقل ومخاوف على المرضى والأطفال
في هذا السياق تقدم الدكتور محمد سليم عضو مجلس النواب بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء البيئة والصحة والصناعة بشأن ما وصفه بتضرر المواطنين من الانبعاثات والروائح الصادرة عن مصنع تدوير وطحن عظام الحيوانات بمنطقة عبود.
وأكد النائب أن المصنع يقع بالقرب من تجمعات سكنية كثيفة ومدارس ومعاهد أزهرية إضافة إلى مستشفى الناس المتخصص في علاج أمراض قلب الأطفال، وهو ما يفرض ضرورة مراجعة مدى ملاءمة استمرار النشاط الصناعي في موقعه الحالي.
ولفت سليم إلى أن عدداً كبيراً من السكان أعربوا عن استيائهم من الروائح النفاذة المنبعثة من المصنع بصورة متكررة، مشيرين إلى أنها تؤثر على الحياة اليومية وتجبر بعض الأسر على إغلاق النوافذ لفترات طويلة.
كما أوضح أن التوسع العمراني الذي شهدته المنطقة خلال العقود الماضية جعل المنشآت السكنية والتعليمية والصحية تحيط بالمصنع من مختلف الاتجاهات، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم الوضع البيئي والصحي للموقع بالكامل.
وطالب النائب الحكومة بإعلان نتائج أحدث حملات التفتيش البيئي والصحي التي أُجريت على المصنع، وتوضيح مدى التزامه بالاشتراطات البيئية الحالية والإجراءات المتخذة لرصد الانبعاثات والروائح وقياس آثارها على المواطنين.
كذلك دعا إلى إجراء دراسة عاجلة لقياس جودة الهواء ومستويات الانبعاثات في محيط المصنع وتحديد مدى تأثيرها على السكان والمنشآت المجاورة، خاصة مستشفى الناس الذي يستقبل أعداداً كبيرة من الأطفال المرضى والمترددين يومياً.
ويؤكد استشاري الصحة العامة الدكتور جمال عصمت أن وجود منشآت صناعية مثيرة للشكاوى بالقرب من المستشفيات والمدارس يتطلب مراقبة دورية لجودة الهواء ومؤشرات البيئة المحيطة وفق بيانات معلنة للرأي العام.
وأضاف عصمت أن الشفافية في نشر نتائج القياسات البيئية والصحية تمثل خطوة أساسية لطمأنة المواطنين أو اتخاذ إجراءات تصحيحية إذا أظهرت البيانات وجود تأثيرات تتجاوز الحدود المسموح بها وفق المعايير المعتمدة.
وتبقى أزمة مصنع عبود نموذجاً لملف ظل معلقاً لعقود بين شكاوى السكان والتقارير الرسمية وتبادل المسؤوليات بين الجهات المختصة، بينما تتصاعد المطالب بإعلان نتائج الفحوص البيئية بصورة كاملة وحسم مصير نشاط صناعي بات محاطاً بمساكن ومدارس ومستشفيات، في وقت ينتظر فيه الأهالي قراراً ينهي سنوات طويلة من الشكاوى دون حلول جذرية.

