كشفت شكاوى أهالي الواحات البحرية بمحافظة الجيزة عن تعثر مشروع الصرف الصحي لأكثر من 10 سنوات، بعد توقف محطات الرفع وخطوط الانحدار، بما دفع السكان إلى البيارات العشوائية وسيارات الكسح.

 

وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن خدمة أساسية تحولت إلى خطر يومي، لأن المواطن لا يدفع فقط تكلفة الكسح، بل يدفع من صحته وبيته وبيئته ثمن مشروع بدأ ولم يكتمل.

 

مشروع ناقص دفع الأهالي إلى البيارات وسيارات الكسح

 

بدأت أزمة الصرف الصحي بالواحات البحرية من مشروع خَدمي انتظره الأهالي بوصفه حلًا جذريًا، لكنه تحول مع مرور السنوات إلى ملف متعثر لا تظهر منه سوى الحفر والشبكات الناقصة.

 

وبسبب هذا التعثر، لجأ عدد من السكان إلى حفر بيارات عشوائية لتصريف المياه، ثم صار تفريغها بسيارات الكسح عبئًا متكررًا، يستهلك أموال الأسر بدل أن تنفقها على احتياجاتها الأساسية.

 

وتكشف تفاصيل الأزمة أن القصور يتركز في عدم استكمال محطات الرفع وخطوط الطرد وشبكات الانحدار، وهي المكونات التي تمنح مشروع الصرف الصحي قدرته الفعلية على نقل المياه بعيدًا عن البيوت.

 

وبينما ظلت الجهات الرسمية تتحدث عن خطط تنفيذية واعتمادات، بقيت مدينة الباويطي والقرى المحيطة بها في دائرة الانتظار، كأن المسافة الصحراوية منحت الحكومة حقًا في تأجيل الخدمة لسنوات.

 

ومن الناحية الهندسية، يدعم حديث مهيب عبد الغفار، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة القاهرة، جوهر المشكلة، حين يؤكد أن تغطية الصرف لا تقاس بالأرقام العامة، بل بوصول الخدمة الفعلية للمواطن.

 

وعليه، لا يعني وجود مشروع معلن أن الأزمة انتهت، لأن الشبكة التي لا تكتمل بمحطة رفع وخط طرد وشبكة انحدار لا تقدم صرفًا صحيًا، بل تترك السكان أمام بدائل بدائية ومكلفة.

 

وقد ظهرت خطورة هذه البدائل في تقارير سابقة عن الواحات البحرية، عندما اضطر الأهالي إلى استخدام بيارات بعمق عدة أمتار، مع كسح دوري مدفوع، بسبب توقف مشروع الشبكة سنوات طويلة.

 

لذلك يبدو أصل المشكلة في إدارة مشروع بدأ من دون التزام زمني حاسم، لا في شكوى موسمية من طفح عابر، لأن التعثر الطويل صنع نظام صرف موازيًا داخل البيوت وخارجها.

 

طفح الشوارع يهدد الصحة والمياه الجوفية

 

تفاقمت المعاناة مع طفح مياه الصرف الصحي في عدد من الشوارع والمناطق السكنية، حيث ارتفع منسوب المياه الملوثة قرب التجمعات السكانية، وتحولت الخدمة الغائبة إلى تهديد واضح للصحة العامة.

 

ومع استمرار هذا الوضع، لم تعد الأزمة تخص الراحة اليومية وحدها، بل صارت مرتبطة بتلوث محتمل للتربة والمياه الجوفية، خاصة في منطقة واحية تعتمد بيئيًا على حساسية مصادر المياه وطبيعة الأرض.

 

وتوضح رانيا العيسوي، مسؤولة المياه والبيئة والصرف الصحي بمكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة في القاهرة، أن البيارات والأنظمة البدائية في الأرياف لا توفر تصريفًا آمنًا عندما تغيب الشبكات الملائمة.

 

كما تؤكد هذه القراءة أن الأسر لا تملك حلًا حقيقيًا حين تمتلئ البيارات بالسوائل، لأن التخلص منها يتطلب رسومًا أو سيارات خاصة، بينما يظل خطر التسرب والطفح قائمًا بين دورة وأخرى.

 

ومن زاوية صحية، يرتبط تردي خدمات الصرف الصحي بنقل أمراض خطيرة مثل الإسهال والكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد والديدان المعوية وشلل الأطفال، وهي أمراض لا تحتاج سوى بيئة ملوثة حتى تنتشر.

 

وفي سياق مصري سابق، حذر الدكتور محمد الحفيف، عميد معهد الدراسات البيئية بجامعة عين شمس، من أن اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي يفتح الباب أمام الدوسنتاريا وأمراض مرتبطة بتلوث المياه.

 

لذلك لا تستطيع الحكومة اختصار الأزمة في أعمال متأخرة أو مقاول متعثر، لأن كل يوم تأخير يعني مياهًا ملوثة قرب المنازل، وبيارات ممتلئة، وأسرًا تعيش تحت تهديد صحي متكرر.

 

وفوق ذلك، يتضرر المجال الزراعي والبيئي عندما تتراكم المياه الملوثة أو تختلط بالمياه الجوفية، لأن الواحات ليست حيًا عاديًا يمكن ترقيع مشكلته بكسح مؤقت أو زيارة ميدانية قصيرة.

 

أموال معلنة بلا خدمة مكتملة ومحاسبة مؤجلة

 

تعود جذور الغضب إلى سنوات طويلة من الوعود، إذ أُعلن في مارس 2014 عن تفقد مشروع الصرف الصحي بقريتي الباويطي والقصر، بتكلفة 16 مليون جنيه، لكن الشكوى ما زالت تتجدد.

 

وبعد مرور هذه السنوات، صار سؤال الإنفاق أكثر إلحاحًا من سؤال التصريحات، لأن الأهالي لا يرون خدمة مكتملة، بينما تتراكم أسئلة حجم الأموال المصروفة، والجهات المنفذة، ومسؤولية الاستشاري والرقابة.

 

وفي هذا الإطار فقط، جاء طلب الإحاطة المقدم من النائب أحمد جبيلي كأداة ضغط متأخرة، لا كأصل للأزمة، إذ طالب بكشف أسباب التعثر ومحاسبة المقصرين وإعلان جدول زمني نهائي.

 

غير أن جوهر المساءلة يجب أن يسبق أي نقاش برلماني، لأن المواطن يريد محطة تعمل وخطوطًا موصولة وشارعًا غير غارق، لا يريد دورة جديدة من تبادل المسؤوليات بين الوزارات والمحافظة.

 

ومن ثم، تصبح المراجعة الفنية لمحطات الرفع وشبكات الانحدار والبيارات وخطوط الطرد شرطًا عاجلًا، لأنها تكشف ما نُفذ فعليًا، وما توقف، وما يحتاج إلى إحلال قبل تشغيل الخدمة.

 

كذلك تحتاج الواحات البحرية إلى إعلان مالي واضح يحدد ما صُرف منذ بدء المشروع، وما تبقى، ومن تحمل قرارات التعطيل، لأن غياب الرقم يفتح بابًا واسعًا للهدر وإخفاء المسؤولية.

 

وبالتوازي، لا يجوز ترك الأهالي رهائن لسيارات الكسح حتى اكتمال المشروع، لأن الحكومة تستطيع تنفيذ إجراءات مؤقتة آمنة تشمل كسحًا منتظمًا مدعومًا ورقابة صحية وتحاليل دورية للمياه والتربة.

 

وفي النهاية، لا تكشف أزمة الصرف الصحي بالواحات البحرية عطلًا فنيًا فقط، بل تكشف دولة تؤجل الخدمة حتى تتحول إلى مرض وكلفة وخوف، ثم تطلب من المواطن انتظار وعد جديد.