أكد د. أحمد عبد الهادي شاهين أن الإخلاص يمثل جوهر العبادة وحقيقة الدين، وأنه يقوم على تصفية الأقوال والأعمال مما يشوبها من الشرك والرياء والمباهاة وطلب السمعة، مشيرًا إلى أن المسلم المخلص لا يطلب لعمله شاهدًا غير الله تعالى.
وأوضح شاهين أن الإخلاص ليس مظهرًا خارجيًا ولا منزلة اجتماعية، بل هو صدق التوجه إلى الله في السر والعلانية، سواء كان الإنسان رئيسًا أو مرؤوسًا، في المقدمة أو في المؤخرة، ظاهرًا للناس أو بعيدًا عن أعينهم.
وأشار إلى أن العلماء عرّفوا الإخلاص بأنه الخلاص من إرادة الناس بالعمل، مستشهدًا بقول الفضيل بن عياض: “ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص الخلاص من هذين، أو يعافيك الله منهما”.
وشدد شاهين على خطورة طلب الدنيا بعمل يراد به وجه الله، مستشهدًا بالحديث النبوي: “من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة”، أي رائحتها.
وأضاف أن الله تعالى لا يقبل من العمل ما خالطه الشرك أو الرياء، مستحضرًا الحديث القدسي: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه”، بما يؤكد أن صلاح النية شرط لازم لصلاح العمل.
الإخلاص حقيقة الدين وشرط قبول الأعمال
قال د. أحمد عبد الهادي شاهين إن الإخلاص من أعظم أعمال القلوب قدرًا عند الله تعالى، لأنه موضع نظر الله من العبد، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
وأوضح أن حقيقة الدين الإسلامي تقوم على إخلاص العبادة لله وحده، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
ولفت إلى أن كلمة التوحيد لا تؤتي ثمرتها الكاملة إلا إذا خرجت من قلب صادق، مستشهدًا بالحديث: “من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة”، وهو ما يجعل الإخلاص أساس النجاة.
وبيّن شاهين أن قبول العمل عند الله تعالى يقوم على شرطين رئيسيين، الأول أن يكون العمل خالصًا يبتغي به العبد وجه الله وحده، والثاني أن يكون العمل صوابًا موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، موضحًا أن الآية جمعت بين صلاح العمل وخلوص النية من الشرك.
وأضاف أن السلف الصالح كانوا يبدؤون مصنفاتهم بحديث: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”، تنبيهًا إلى أن العلم والعمل والعبادة والدعوة لا تصح إلا إذا صلحت نية صاحبها.
وأكد أن الإخلاص يرفع منزلة العمل الصغير، بينما تفسد النية السيئة العمل الكبير، مستشهدًا بقول عبد الله بن المبارك: “رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية”.
وأشار إلى أن إخلاص العبد يحصنه من نزغات الشيطان ووساوسه، لأن الشيطان أعلن عداوته لبني آدم جميعًا، ثم استثنى عباد الله المخلصين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾.
مظاهر الإخلاص بين طلب وجه الله وإخفاء العمل
أوضح د. أحمد عبد الهادي شاهين أن أول مظاهر الإخلاص أن يبتغي العبد الأجر من الله وحده، فلا يبحث عن شهرة أو مكانة اجتماعية أو زعامة أو ثناء الناس عليه، لأن المخلص يجعل عمله لله لا للناس.
واستشهد بقول الله تعالى على لسان بعض الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، مبينًا أن الداعية الصادق لا يجعل دعوته طريقًا إلى الجاه أو المكسب.
ونقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: “وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم، وما نسب إليَّ شيء منه”، موضحًا أن هذه العبارة تكشف منزلة عالية من التجرد، حيث يفرح العالم بانتفاع الناس ولو لم ينسبوا الفضل إليه.
وأشار شاهين إلى أن عمل السر من أبرز علامات الإخلاص، لأن العبد حين يخفي عمله الصالح يبتعد عن أبواب السمعة والرياء، مستشهدًا بحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
وأضاف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا يطأطئ رقبته وهو يصلي، فقال له: “ارفع رقبتك فإن الإخلاص في القلوب، وليس في الرقاب”، مؤكدًا أن الخشوع الحقيقي لا يصنعه المظهر.
ونقل عن تميم الداري قوله: “والله لركعة أصليها في جوف الليل في سر أحب إلي من أن أصلي الليل كله، ثم أقصه على الناس”، مبينًا أن العمل الخفي أقرب إلى السلامة من آفات النفس.
وبيّن أن المخلص يسيء الظن بنفسه ويتهمها بالتقصير، مهما أكثر من الطاعات، لأنه يخشى ألا يتقبل الله منه عمله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
وأكد أن استواء المدح والذم من مظاهر الإخلاص، لأن المخلص يعمل بما يرضي الله تعالى، ثم لا يبالي بعد ذلك أرضي الناس أم سخطوا، مدحوا أم ذموا، ما دام قد قام بحق الله.
واستحضر دعاء الإمام علي رضي الله عنه إذا مدحه الناس، إذ كان يقول: “اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون”، وهو دعاء يكشف خوف الصالحين من فتنة المدح.
وحذر شاهين من دقائق الرياء الخفية، ناقلًا عن الحافظ ابن رجب رحمه الله قوله إن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه، وهذا من دقائق أبواب الرياء.
وأوضح أن المسلم قد يعمل العمل مخلصًا لله ثم يثني الناس عليه من غير طلب منه، وهنا لا يضره ذلك إذا سلمت نيته، مستشهدًا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ذلك فقال: “تلك عاجل بشرى المؤمن”.
وسائل تحقيق الإخلاص في القلب والعمل
أكد د. أحمد عبد الهادي شاهين أن معرفة عظمة الله تعالى من أهم وسائل تحقيق الإخلاص، لأن العبد إذا أيقن أن كل شيء في الكون يقع بتدبير الله، وأن الأرزاق والآجال بيده، أخلص العبادة له وحده.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، مبينًا أن استحضار سلطان الله على الخلق يحرر القلب من التعلق بمدح الناس أو خوفهم.
وأضاف أن الإلحاح على الله تعالى بالدعاء من أعظم أبواب تحصيل الإخلاص، لأن المسلم يقرأ في كل يوم قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فيطلب من الله العون على عبادته وتصفية نيته.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه أن يعيذه من الشرك الخفي، ومن دعائه: “اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه”، وهو دعاء يجمع بين الخوف والافتقار إلى الله.
ونقل عن مطرف بن عبد الله دعاءه: “اللهم إني أستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت”، موضحًا أن الصالحين كانوا يخافون على نياتهم أكثر مما يخافون على أعمالهم الظاهرة.
ولفت إلى أن مصاحبة أهل الإخلاص تعين المسلم على الصلاح، لأن صحبة الصالحين تذكر بالله وتعين على مراقبته، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
كما استشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الذكر والصلاح: “هم القوم لا يشقى بهم جليسهم”، مؤكدًا أن البيئة الصالحة تساعد القلب على الثبات وتخفف عنه فتنة الرياء.
واستحضر شاهين قصة رجل من الصحابة في إحدى الفتوحات الإسلامية، حين استعصى على المسلمين فتح مدينة، فصنع نقبًا في السور ودخل منه وقاتل قتالًا شديدًا حتى فتح الباب للمسلمين.
وأوضح أن هذا الصحابي كان ملثمًا، ورفض أن يكشف وجهه أو يذكر اسمه أو يأخذ مكافأة، ثم غادر المكان دون أن يعرفه الناس، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو قائلًا: “اللهم احشرني مع صاحب النقب”.
وأكد أن تدريب النفس على عمل السر في العبادات وسيلة عملية لتحقيق الإخلاص، لأن صلاة الليل وصيام التطوع والصدقة الخفية أعمال تربي القلب على مراقبة الله بعيدًا عن أعين الناس.
واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي”، ثم نقل عن سهل بن عبد الله التستري قوله: “ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب”.
ثمرات الإخلاص في الدنيا والآخرة
قال د. أحمد عبد الهادي شاهين إن أول ثمرات الإخلاص استمرار العمل وثبات صاحبه، لأن من يعمل للناس يراقب الناس ويتوقف إذا غابوا عنه، أما من يعمل لله فيستمر لأن الله لا يغيب عنه.
واستشهد بقول الصالحين: “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل”، موضحًا أن دوام العمل علامة على صدق التوجه، وأن الانقطاع السريع يكشف أحيانًا تعلق القلب بنظر الناس.
وأضاف أن من ثمرات الإخلاص تأييد الله لعبده في الشدائد، لأن الله يمد المخلصين بعونه ورعايته، وينقذهم من المهالك، كما فعل مع يوسف عليه السلام حين صرف عنه السوء والفحشاء.
واستشهد بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، مبينًا أن الإخلاص كان سببًا في العصمة والنجاة.
وأشار إلى قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح فعله ابتغاء مرضاته، ففرج الله عنهم الصخرة على مراحل حتى خرجوا جميعًا.
وأوضح أن هذه القصة تكشف أثر العمل الخالص وقت الشدة، لأن كل واحد منهم قال في دعائه: “اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه”، فاستجاب الله لهم.
ونقل شاهين عن عمر بن الخطاب قوله: “من خلصت نيته كفاه الله ما بينه وبين الناس”، وعن أبي حازم قوله: “لا يحسن عبد فيما بينه وبين ربه إلا أحسن الله ما بينه وبين العباد”.
وأضاف أن الإخلاص يمنح صاحبه سكينة النفس وانشراح الصدر، لأن قلبه لا يتوزع بين رضا الناس وسخطهم، ولا يعيش أسيرًا للثناء والذم، بل يجعل الآخرة همه الأكبر.
واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرة همه، جعل غناه في قلبه، وجمع الله عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة”، موضحًا أن إخلاص الوجهة لله يجمع القلب ويمنحه الطمأنينة.
وأكد أن أعظم ثمرات الإخلاص قبول العمل ودخول الجنة، لأن الإخلاص أحد شرطي قبول العمل، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحًا، وابتغى به وجهه تعالى”.
وختم شاهين بالتأكيد على أن غاية المسلم هي مرضاة الله تعالى ودخول جنته والنجاة من سخطه وناره، ولا يصل المسلم إلى ذلك إلا بأن يجعل حياته ومماته وعبادته كلها لله.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
ودعا د. أحمد عبد الهادي شاهين المسلم إلى أن يخلص لله تعالى في أعماله كلها، وأن يبتغي مرضاته وحده، وألا ينتظر ثناء الناس أو شكرهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾.
واختتم بالتضرع إلى الله أن يرزق المسلمين الإخلاص في القول والعمل، وأن يطهر قلوبهم من الرياء والشرك الخفي، وأن يجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم.

