شن عدد من أعضاء مجلس النواب، خلال مناقشة مشروع موازنة 2026 / 2027 وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وموازنات الهيئات الاقتصادية، هجومًا حادًا على الحكومة بسبب أرقام التعليم والصحة والدين العام، وانتهت الجلسة إلى موجة رفض نيابية واسعة.

 

وتكشف المناقشات أن أزمة الموازنة لم تعد خلافًا فنيًا حول جداول مالية، لأن المواطن الذي ينتظر مدرسة ومستشفى وفرصة عمل يجد أمامه أرقاما ضخمة، بينما تبتلع فوائد القروض والاستدانة مساحة الإنفاق الحقيقي على حياته اليومية.

 

أرقام التعليم والصحة تثير غضب النواب

 

بدأ النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، هجومه بإعلان رفض مشروع الموازنة للعام السادس على التوالي، مؤكدًا أن الحكومة تكرر طريقة العرض نفسها وتعيد الأخطاء نفسها.

 

وبحسب البياضي، فإن أول بند يراجعه في أي موازنة هو التعليم، لأنه المؤشر الحقيقي لأولويات الدولة، غير أن الحكومة جمعت التعليم قبل الجامعي والجامعي في رقم واحد رغم أن الدستور فصل بينهما.

 

ثم طرح البياضي سؤالًا مباشرًا حول رقم 1.2 تريليون جنيه الذي أعلنت الحكومة أنه مخصص للتعليم بما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدًا أن الجداول التحليلية لا تفسر هذا الرقم.

 

كما أشار النائب إلى أن حساب النسبة على الناتج المحلي المتوقع للعام الجديد يخفضها إلى نحو 4.8%، بما يفتح باب التشكيك في طريقة احتساب الحكومة للاستحقاق الدستوري الخاص بالتعليم.

 

وفي السياق نفسه، شدد البياضي على أن الأزمة تمتد إلى قطاع الصحة، معتبرًا أن الحكومة تستخدم طريقة الحساب نفسها لإظهار الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، بينما تقول الأرقام التفصيلية إن الواقع مختلف.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم رأي الخبير التربوي كمال مغيث جوهر الاعتراض النيابي، إذ يرى أن أزمة التعليم في مصر ترتبط بغياب الجودة وتكافؤ الفرص، لا بمجرد إعلان أرقام كبيرة في الأوراق.

 

لذلك يصبح رقم التعليم المعلن بلا قيمة إذا لم ينعكس على كثافة الفصول ورواتب المعلمين وتجهيز المعامل، لأن الإنفاق الدستوري يقاس بأثره في المدرسة لا بحجم الرقم المدمج داخل الموازنة.

 

وعلى هذا الأساس، طالب البياضي الحكومة بأن تقف أمام مجلس النواب والرأي العام لتشرح طريقة الحساب، لأن النواب والشعب من حقهم معرفة مصدر الأرقام وهل تحققت الاستحقاقات فعلًا أم بقيت ورقية.

 

الدين يبتلع الاستثمار وموازنة المواطن تتحول إلى الدائنين

 

وانتقل الهجوم النيابي من التعليم والصحة إلى الدين العام، عندما أعلن النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، رفضه مشروع الموازنة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

وبحسب داود، تحتاج الحكومة إلى محاسبة سياسية، لأن الموازنة الجديدة تبدو مرهونة للدائنين، في ظل فوائد قروض وديون بلغت 2.4 تريليون جنيه مقابل استثمارات عامة لا تتجاوز 500 مليار جنيه.

 

ويعني هذا الفارق أن فوائد الديون تصل إلى نحو 4 أضعاف مخصصات الاستثمار، وهو خلل يضرب قدرة الدولة على بناء مشروعات إنتاجية وخدمات أساسية وفرص عمل حقيقية للمواطنين.

 

كما يعزز هذا الاعتراض ما قاله الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق، الذي وصف في أكثر من مناسبة إدارة الموارد العامة بأنها جوهر الأزمة، مؤكدًا أن مصر ليست فقيرة ولكنها تعاني من سوء ترتيب الأولويات.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو مشكلة الموازنة في ضيق الموارد وحده، بل في اتجاه هذه الموارد نحو خدمة الدين بدل الاستثمار المنتج، وهو ما يحول الدولة إلى ماكينة سداد بدلا من مؤسسة تنمية.

 

ثم جاء النائب أحمد فرغلي ليكثف هذا المعنى بعبارة مباشرة، حين قال إن الحكومة تضع موازنة لخدمة الدين لا لخدمة المواطن، معتبرًا أن الدين أصبح عبئًا يقيد حركة البلد.

 

كذلك اتهم فرغلي الحكومة بالانقضاض على حصيلة المساهمات التكافلية للتأمين الصحي الشامل بقيمة 53 مليار جنيه وتحويلها إلى متحصلات ضريبية، مع تحميل أصحاب المعاشات فشل إدارة أموال التأمينات.

 

وفي هذا المحور، يفسر الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أثر مثل هذه السياسات من زاوية الحماية الاجتماعية، إذ يربط بين الغلاء وضعف المعاشات وتآكل قدرة الأسر على مواجهة احتياجاتها الأساسية.

 

لذلك لا يقرأ المواطن بند الدين كمصطلح مالي مجرد، بل يراه في عيادة مزدحمة وطابور علاج ومدرسة بلا إمكانات ودخل لا يكفي، بينما تتحرك المليارات إلى الدائنين قبل الخدمات.

 

ولهذا تبدو عبارة فرغلي عن “موازنة خدمة الدين” عنوانًا دقيقًا للأزمة، لأن الموازنة الأضخم رقميًا قد تصبح الأضعف اجتماعيًا عندما تتراجع قيمة الجنيه وترتفع كلفة المعيشة.

 

خطة التنمية قائمة على بيانات قديمة 

 

فتحت النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، محورًا آخر في الأزمة عندما أعلنت رفضها للموازنة وخطة التنمية، وسألت الحكومة عن منطق بناء خطة 2027 على مسح قديم.

 

وبحسب سعيد، تعتمد الحكومة في تقديراتها على مسح الإنفاق والدخل الذي أجري في 2021، رغم مرور 5 سنوات شهدت تغيرات كبيرة في الأسعار والدخل والفقر والإنفاق الأسري.

 

وتساءلت النائبة عن كيفية وضع معدل نمو 5.4% في ظل معلومات قديمة، معتبرة أن خطة التعليم جاءت في آخر الأولويات، وأن الحكومة لم ترد على طلب إحاطة سابق بشأن هذه الإشكالية.

 

ومن ثم لا تصبح مشكلة الخطة في رقم النمو وحده، بل في قاعدة البيانات التي تبنى عليها القرارات، لأن التخطيط على أرقام قديمة ينتج سياسات لا تلاحق الواقع المعيشي الجديد.

 

وفي ملف الفلاح، أعلن النائب الدكتور عوض أبو النجا رفضه مشروع الموازنة، مؤكدًا أن المواطن لا تعنيه المؤشرات بقدر ما تعنيه الخدمات وفرص العمل والرعاية الصحية الملموسة.

 

كما انتقد أبو النجا تخصيص مليار جنيه فقط لدعم الفلاح، رغم ارتفاع أسعار الأسمدة والتغيرات المناخية وضغوط القطاع الزراعي، إلى جانب قلق المواطنين من ملفات تقنين الأراضي والمنازل.

 

وبالنسبة للصحة، رأى أبو النجا أن الحديث عن إنشاء 155 وحدة رعاية أولية لا يلبي الاحتياجات الفعلية، لأن مناطق كثيرة تعاني يوميًا للحصول على خدمة صحية أساسية.

 

ثم أشار النائب إلى أن منظومة التأمين الصحي الشامل بدأت في 2018 وكان من المقرر إنهاؤها في 2032، لكنها لم تشمل حتى الآن سوى نحو 5 ملايين مواطن فقط.

 

وبذلك يربط اعتراض أبو النجا بين الموازنة والحياة اليومية، لأن المواطن لا يسأل عن معدلات النمو قبل أن يجد وحدة صحية تعمل وطبيبًا متاحًا وتأمينًا صحيًا يغطيه فعليًا.

 

وفي المقابل، تواصل الحكومة تقديم الموازنة باعتبارها وثيقة استقرار ونمو، لكن ردود النواب كشفت أن الاستقرار المعلن لا يقنع من لا يرى أثره في التعليم والصحة والزراعة والمعاشات.

 

كما أعلن رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي عقد جلسات عامة الأسبوع المقبل لاستكمال مناقشة تقرير لجنة الخطة والموازنة بشأن مشروع الخطة والموازنة وموازنات الهيئات الاقتصادية والإنتاج الحربي.

 

غير أن استكمال المناقشات لن يغير جوهر الأزمة ما لم تقدم الحكومة كشفًا تفصيليًا لمصادر أرقام التعليم والصحة، وتوضح بنود خدمة الدين، وتفسر اعتماد خطة التنمية على بيانات قديمة.

 

وفي النهاية، تكشف موجة الرفض النيابي أن مشروع موازنة 2026 / 2027 يواجه أزمة ثقة قبل أن يواجه أزمة أرقام، لأن الحكومة تطلب من البرلمان تمرير حسابات لا يشعر بها المواطن ولا تطمئن النواب.