رغم تراجع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قريبة من تلك التي سبقت اندلاع المواجهات العسكرية في منطقة الخليج، واستعادة الأسواق جزءًا من استقرارها بعد الإعلان عن قرب التوصل إلى تفاهمات تسمح بإعادة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، فإن حكومة عبدالفتاح السيسي لا تبدو في عجلة من أمرها لاتخاذ قرار بخفض أسعار البنزين والسولار خلال الفترة الحالية.

 

وأكد مصدر رفيع المستوى بمجلس الوزراء أن تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية لا يعني بالضرورة انعكاسًا فوريًا على أسعار الوقود محليًا.

 

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية متزايدة وضغوطًا مالية كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتزايد أعباء التمويل الخارجي، الأمر الذي يجعل أي قرار يتعلق بخفض أسعار المنتجات البترولية مرتبطًا بحسابات اقتصادية معقدة تتجاوز مجرد انخفاض الأسعار العالمية.

 

تراجع النفط عالميًا


وشهدت أسواق الطاقة العالمية خلال الأيام الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في أسعار النفط الخام بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران يساهم في إنهاء التوترات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية.

 

وأدى هذا التطور إلى هبوط أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها خلال نحو ثلاثة أشهر، بعدما كانت قد سجلت ارتفاعات كبيرة خلال فترة التصعيد العسكري، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول إمكانية انعكاس هذا التراجع على أسعار الوقود في مصر.

 

غير أن المصدر الحكومي أوضح أن الحكومة تنظر إلى الاتجاهات طويلة الأجل للأسعار وليس إلى التحركات المؤقتة أو اليومية، مشيرًا إلى أن استقرار الأسواق العالمية يحتاج إلى عدة أشهر قبل البناء عليه في اتخاذ قرارات تخص تسعير المواد البترولية.

 

فاتورة استيراد مرتفعة تضغط على الموازنة

 

وبحسب المصدر، فإن أحد أهم الأسباب التي تحول دون خفض أسعار الوقود حاليًا يتمثل في القفزة الكبيرة التي شهدتها فاتورة استيراد المنتجات البترولية والزيت الخام خلال الفترة الأخيرة.

 

وأوضح أن تكلفة الاستيراد ارتفعت خلال شهر مايو الماضي إلى نحو 3 مليارات دولار، مقارنة بحوالي 2.5 مليار دولار فقط خلال شهري مارس وأبريل، وهو ما يمثل زيادة كبيرة في الإنفاق الدولاري تتحملها الدولة لتوفير احتياجات السوق المحلية من الوقود والطاقة.

 

ويرى خبراء اقتصاد أن هذه الزيادة تعكس استمرار الضغوط على الاحتياطي النقدي وعلى الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي وتزايد الالتزامات المرتبطة بخدمة الدين.

 

الالتزام ببرنامج صندوق النقد


وأكد المصدر أن الحكومة لا تزال ملتزمة مع صندوق النقد الدولي، والتي تتضمن الاستمرار في تطبيق آلية التسعير التلقائي للمواد البترولية والتحرك تدريجيًا نحو استرداد التكلفة الفعلية للمنتجات البترولية.

 

وتعد هذه السياسة جزءًا الذي تنفذه مصر خلال السنوات الأخيرة بهدف تقليص الدعم وتحقيق قدر أكبر من التوازن المالي.

 

استمرار إجراءات ترشيد الطاقة


وفي سياق متصل، كشف المصدر أن الحكومة ستواصل تطبيق حزمة الإجراءات الخاصة بترشيد استهلاك الطاقة خلال الفترة المقبلة، وفي مقدمتها استمرار العمل عن بُعد داخل عدد من الجهات الحكومية أيام الأحد من كل أسبوع.

 

كما تشمل الإجراءات مواصلة خفض استهلاك الكهرباء بالمباني الحكومية، وترشيد الإنارة في الشوارع والميادين العامة، إلى جانب تأجيل بعض المشروعات التي تتطلب استهلاكًا مرتفعًا للوقود والطاقة.

 

وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات تستهدف تقليل الضغط على موارد الطاقة وخفض فاتورة الاستيراد، بينما يرى مراقبون أن استمرار العمل بها يعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة في إدارة ملف الطاقة خلال المرحلة الحالية.

 

تحديات اقتصادية مستمرة


ويأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطًا متواصلة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين وزيادة تكاليف المعيشة، ما يجعل ملف أسعار الوقود من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الشارع المصري.

 

ورغم أن تراجع أسعار النفط عالميًا يمنح الحكومة مساحة أكبر للمناورة مستقبلًا، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن أي خفض محتمل لأسعار البنزين والسولار لن يكون مطروحًا على المدى القريب، في ظل استمرار الضغوط المالية وارتفاع تكلفة الاستيراد والالتزامات المرتبطة بصندوق النقد الدولي.