أيدت محكمة الاستئناف في لندن قرار الحكومة البريطانية بإدراج حركة "فلسطين أكشن" ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، معتبرة أن أنشطة الحركة تتجاوز حدود الاحتجاج المشروع وتندرج ضمن أعمال العنف التي يجرمها قانون الإرهاب البريطاني.
ويُعد القرار بعد أشهر من الجدل القضائي والسياسي بشأن طبيعة أنشطة الحركة المناصرة للقضية الفلسطينية، كما يعيد فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين الاحتجاج السياسي والعصيان المدني من جهة، والأنشطة التي يمكن تصنيفها باعتبارها أعمالاً إرهابية من جهة أخرى.
اعتقالات أمام المحكمة أثناء نظر القضية
تزامن صدور الحكم مع إجراءات أمنية مكثفة خارج مبنى المحكمة، حيث ألقت الشرطة البريطانية القبض على 117 شخصاً للاشتباه في دعمهم منظمة محظورة بموجب قانون الإرهاب.
ورفع المحتجون لافتات مؤيدة للحركة ومنددة بالحرب الإسرائيلية على غزة، فيما اعتبرت السلطات أن بعض الشعارات والرسائل المرفوعة قد تشكل دعماً مباشراً لتنظيم مصنف قانونياً كمنظمة إرهابية، وهو ما يجرمه القانون البريطاني.
وتحول محيط المحكمة إلى ساحة مواجهة سياسية بين مؤيدي القرار الذين يرون أنه ضروري لحماية الأمن العام، ومعارضيه الذين يعتبرونه استهدافاً للحركات المناصرة للفلسطينيين وتقويضاً لحرية التعبير.
إلغاء حكم سابق للمحكمة العليا
وجاء حكم محكمة الاستئناف ليقلب قراراً قضائياً سابقاً صدر عن المحكمة العليا للعدل في فبراير 2026، والذي كان قد خلص إلى أن حظر الحركة يفتقر إلى الأساس القانوني الكافي.
وبموجب الحكم الجديد، استعادت الحكومة البريطانية الغطاء القضائي الكامل لقرار الحظر، بينما أعلنت هدى عموري، الشريكة المؤسسة للحركة وصاحبة الطعن الأصلي، عزمها مواصلة المعركة القانونية عبر التوجه إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد.
هيئة قضائية موسعة تنظر القضية
ونظرت القضية هيئة قضائية موسعة ضمت خمسة قضاة من كبار القضاة البريطانيين، بينهم رئيسة المحكمة العليا الليدي بارونيس سو كار ورئيس محكمة الاستئناف السير جيفري فوس، ما يعكس الأهمية الاستثنائية التي أُحيطت بها القضية.
وفي حيثيات الحكم التي جاءت في 44 صفحة، أكدت المحكمة أن عليها تحقيق توازن دقيق بين حماية الحقوق الأساسية للأفراد، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع، وبين واجب الدولة في حماية الأمن القومي وحقوق المجتمع.
ورأت المحكمة أن هذا التوازن يبرر استمرار الحظر في ظل ما وصفته بالأدلة المتعلقة باستخدام الحركة أساليب عنيفة وغير قانونية خلال بعض عملياتها الاحتجاجية.
المحكمة: الحركة تروج للعنف وليست عصياناً مدنياً سلمياً
وفي واحدة من أبرز فقرات الحكم، قالت رئيسة المحكمة الليدي سو كار إن حركة "فلسطين أكشن" لا يمكن اعتبارها حركة احتجاج سلمي أو عصيان مدني على غرار الحركات التاريخية التي ناضلت من أجل الحقوق المدنية.
وأضافت أن الحركة "تروج علناً لأعمال عنف غير قانونية ترقى إلى مستوى الإرهاب"، مؤكدة أن طبيعة الأنشطة المنسوبة إليها تختلف عن الاحتجاجات السياسية التقليدية.
وأشارت المحكمة إلى أن استهداف منشآت ومرافق تابعة لشركات تصنيع الأسلحة يمثل عاملاً أساسياً في تقييمها القانوني لطبيعة الحركة.
شركة "إلبيت" في قلب النزاع
وحظيت شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية، أكبر شركة تصنيع أسلحة في إسرائيل، بحضور بارز في حيثيات القضية باعتبارها الهدف الرئيسي لحملات الحركة داخل بريطانيا.
وكانت الحركة قد بررت عملياتها ضد منشآت الشركة بأنها تأتي احتجاجاً على دورها في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، بينما ركز الحكم القضائي على قانونية أنشطة الشركة داخل المملكة المتحدة دون التوسع في مناقشة الحجج المتعلقة بالقانون الدولي أو الاتهامات المرتبطة بالحرب في غزة.
من حركة احتجاج إلى تنظيم محظور
تأسست "فلسطين أكشن" عام 2020 باعتبارها حركة احتجاج مباشر تستهدف المؤسسات والشركات المتهمة بالتعاون مع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد نشاط الحركة بشكل ملحوظ بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ما منحها حضوراً واسعاً داخل الأوساط المناصرة للفلسطينيين في بريطانيا وأوروبا.
واعتمدت الحركة على أساليب "العمل المباشر" التي تشمل اقتحام المنشآت وتعطيل العمل فيها وإتلاف بعض المعدات، وهي أساليب استخدمتها سابقاً حركات احتجاجية أخرى حول العالم في قضايا البيئة ونزع السلاح النووي.
ومن أبرز العمليات التي ارتبط اسم الحركة بها اقتحام منشأة تابعة لشركة "إلبيت" في منطقة فيلتون قرب بريستول خلال أغسطس 2024، وهي العملية التي أدت إلى أضرار مادية كبيرة.
كما نفذت الحركة عملية أكثر إثارة للجدل داخل قاعدة "بريز نورتون" الجوية في يونيو 2025، حيث أعلنت أنها ألحقت خسائر بملايين الجنيهات الإسترلينية بمعدات عسكرية قالت إنها تستخدم في دعم العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين في غزة.
وأصبحت تلك العمليات محوراً رئيسياً في مرافعات الحكومة البريطانية خلال المعركة القضائية حول تصنيف الحركة.
آلاف الموقوفين منذ قرار الحظر
ومنذ دخول قرار الحظر حيز التنفيذ في يوليو 2025، أصبح الانتماء إلى الحركة أو دعمها أو جمع التبرعات لصالحها جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 14 عاماً.
وأظهرت البيانات المرتبطة بالقضية أن نحو 3000 شخص تعرضوا للاعتقال منذ تطبيق القرار، بينما وُجهت اتهامات إلى أكثر من 700 شخص بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب، في واحدة من أكبر الحملات الأمنية المرتبطة بحركة احتجاجية في تاريخ بريطانيا الحديث.
انتقادات حقوقية وتحذيرات من تقييد حرية التظاهر
في المقابل، أثار الحكم موجة انتقادات من منظمات حقوقية ومدنية اعتبرت أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل بعض أشكال الاحتجاج التخريبي قد يشكل سابقة قانونية خطيرة.
ورأت منظمات حقوقية أن تصنيف أنشطة احتجاجية ضمن إطار الإرهاب قد يؤدي إلى تقييد الحق في التظاهر والعمل السياسي، محذرة من انعكاسات ذلك على الحركات المدنية والحقوقية مستقبلاً.
كما اعتبرت جهات مدافعة عن الحريات العامة أن الحكم يفتح الباب أمام استخدام قوانين الإرهاب في التعامل مع أشكال متعددة من الاحتجاج السياسي، وهو ما قد يثير جدلاً متزايداً خلال السنوات المقبلة.

