اعلنت وزارة الصحة اللبنانية تحديثا جديدا لحصيلة الخسائر البشرية الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، كاشفة عن ارتفاع عدد القتلى إلى 4106 أشخاص، وبلوغ عدد المصابين 12153 جريحا، منذ الثاني من مارس الماضي وحتى الأحد 21 يونيو الجاري.

 

تعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها لبنان تحت وطأة التصعيد العسكري، حيث لم يعد الحديث مقتصرا على مواجهات حدودية أو ضربات متفرقة، بل على نزيف واسع يطال المدنيين والمنشآت الطبية وفرق الإسعاف، ويدفع البلاد نحو مرحلة أكثر قسوة من الانهاك الصحي والاجتماعي.

 

وتكشف الحصيلة الرسمية عن واقع شديد الخطورة، إذ يتعامل القطاع الصحي اللبناني مع آلاف الجرحى في ظل ضغط متواصل على المستشفيات، ونقص في القدرة الاستيعابية، وتضرر مرافق طبية كانت تمثل خط الدفاع الأول أمام المصابين. ومع استمرار الهجمات، تتسع فجوة الاحتياج بين أعداد الضحايا والإمكانات المتاحة لإنقاذهم.

 

ولا تقف الأزمة عند حدود عدد القتلى والمصابين، بل تمتد إلى استهداف البنية الصحية نفسها، ما يجعل كل ضربة جديدة تهديدا مزدوجا: ضحايا يسقطون في الميدان، ومستشفيات تفقد تدريجيا قدرتها على استقبالهم أو علاجهم. وبهذا المعنى، يصبح القطاع الطبي جزءا من ساحة الحرب لا ملاذا آمنا منها.

 

المستشفيات تحت القصف

 

أظهر بيان وزارة الصحة اللبنانية أن 17 مستشفى تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة الهجمات الإسرائيلية، فيما خرجت 3 مستشفيات بشكل كامل عن الخدمة، ولم تعد قادرة على تقديم الرعاية الطبية للمرضى أو الجرحى. وهذه الأرقام تكشف حجم الضربة التي تلقتها المنظومة الصحية في بلد يعاني أصلا من أزمات اقتصادية وخدمية متراكمة.

 

ويعني خروج المستشفيات من الخدمة حرمان مناطق كاملة من الرعاية العاجلة، خاصة في حالات الإصابات الخطيرة التي تحتاج إلى تدخل جراحي سريع، أو وحدات عناية مركزة، أو معدات إنقاذ متخصصة. ومع تزايد أعداد الجرحى، يصبح فقدان كل مستشفى عبئا إضافيا على المرافق المتبقية التي تعمل فوق طاقتها.

 

كما يفاقم تضرر المستشفيات من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم بين خطر القصف وصعوبة الوصول إلى العلاج. فالطريق إلى المستشفى قد يكون محفوفا بالمخاطر، والمستشفى نفسه قد يكون مهددا أو عاجزا عن تقديم الخدمة، في مشهد يلخص انهيار الإحساس بالأمان داخل المناطق المتضررة.

 

وتشير المعطيات إلى أن القطاع الصحي لا يتعامل فقط مع إصابات مباشرة، بل مع تداعيات أوسع تشمل نقص الأدوية، وتعطل الأجهزة، واستنزاف الطواقم الطبية، وتزايد الحاجة إلى الدم والمستلزمات الجراحية. ومع طول أمد التصعيد، تتحول الأزمة الصحية إلى أزمة بنيوية يصعب احتواؤها بسرعة.

 

استهداف المسعفين يضاعف الكارثة

 

الأخطر في البيان اللبناني هو توثيق ما لا يقل عن 176 اعتداء مباشرا استهدف طواقم الإسعاف والإنقاذ، وهي حصيلة تكشف أن العاملين في المجال الصحي لم يكونوا خارج دائرة الخطر. فقد أدت هذه الاعتداءات إلى مقتل 135 من الكوادر الطبية والعاملين الصحيين، وإصابة 406 آخرين أثناء أداء واجبهم الإنساني.

 

ويمثل استهداف المسعفين والأطباء والممرضين ضربة قاسية لجوهر العمل الإنساني، لأن هؤلاء لا يحملون سلاحا ولا يشاركون في القتال، بل يتحركون لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا وتقديم الإسعافات الأولية. وحين يصبح المسعف هدفا، فإن كل مصاب يفقد فرصة إضافية في النجاة.

 

وتعرضت 175 سيارة إسعاف لأضرار بليغة جراء القصف، ما أعاق حركة فرق الإنقاذ في مناطق الخطر، وأخر وصول المصابين إلى المستشفيات. وفي ظروف الحروب، لا تقاس خسارة سيارة الإسعاف بالمركبة وحدها، بل بالأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو وصلت في الوقت المناسب.

 

كما وثقت البيانات استهداف 39 منشأة صحية منذ بدء التصعيد في الثاني من مارس الماضي، وهو ما يضع العمل الطبي الميداني أمام تحديات شبه مستحيلة. فكل منشأة تتضرر تعني خسارة نقطة علاج أو إسعاف أو متابعة، وكل طاقم يفقد أحد أفراده يعني انخفاضا جديدا في قدرة النظام الصحي على الصمود.

 

فرق أجنبية تحاول سد الفراغ

 

في ظل هذا الضغط المتصاعد، تعمل في لبنان حاليا 19 فريقا طبيا أجنبيا موزعين على 29 مستشفى، بمشاركة 131 متطوعا واختصاصيا في مجالات صحية مختلفة. ويعكس وجود هذه الفرق حجم العجز الذي تواجهه المنظومة الصحية المحلية، وحاجتها المتزايدة إلى دعم خارجي عاجل.

 

وتحاول الفرق الأجنبية تعويض النقص في الكوادر والمعدات والخبرات المتخصصة، خاصة مع تزايد الإصابات الحرجة والحاجة إلى تدخلات جراحية وإنقاذية. غير أن هذا الدعم، رغم أهميته، يبقى محدودا أمام حجم الكارثة، لأن الهجمات المستمرة تولد احتياجات يومية تفوق قدرة أي تدخل مؤقت على احتوائها.

 

وتكشف هذه الصورة أن لبنان لا يواجه أزمة طبية منفصلة عن الحرب، بل حربا تضرب قدرة الدولة والمجتمع على علاج الضحايا. فحين تتزايد أعداد القتلى والجرحى، وتتضرر المستشفيات، وتستهدف سيارات الإسعاف، يصبح القطاع الصحي كله في مواجهة مباشرة مع آلة عسكرية لا تترك مساحات آمنة كافية للعمل الإنساني.

 

وتتجاوز دلالات الأرقام الجانب الإحصائي إلى الجانب الأخلاقي والسياسي، فمقتل 4106 أشخاص وإصابة 12153 آخرين ليسا مجرد حصيلة في بيان رسمي، بل دليل على اتساع دائرة الألم في بلد يدفع المدنيون فيه الثمن الأكبر. كما أن استهداف المرافق الصحية يجعل الكارثة أشد قسوة، لأنه يضرب القدرة على إنقاذ ما تبقى من الأرواح.

 

وفي النهاية، يضع تحديث وزارة الصحة اللبنانية المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، فالأزمة لم تعد قابلة للاختزال في بيانات قلق أو دعوات ضبط نفس، بينما المستشفيات تتضرر، والمسعفون يقتلون، والجرحى يتكدسون، والمدنيون يدفعون يوميا فاتورة حرب مفتوحة على كل احتمالات الانهيار.