أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في تل أبيب، أن حزب الله أطلق أكثر من 7 آلاف قذيفة وصاروخ وطائرة مسيرة منذ مارس الماضي، بالتزامن مع اليوم الثاني من محادثات ترعاها واشنطن بين إسرائيل ولبنان.

 

وتأتي تصريحات ساعر في لحظة سياسية لا تنفصل عن الميدان، إذ تحاول إسرائيل تحويل ملف الحدود إلى منصة ضغط على الحكومة اللبنانية، وتصوير حزب الله كـ«عدو مشترك»، بينما تواصل احتلال نقاط جنوبية وتربط الانسحاب بشروط أمنية وسياسية معقدة.

 

 

ساعر يصعد الخطاب بالتزامن مع التفاوض

 

في كلمته خلال مؤتمر «موني إكسبو» في تل أبيب، قال جدعون ساعر إن حزب الله أطلق منذ مارس أكثر من 7 آلاف قذيفة وصاروخ وطائرة مسيرة من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل، في رقم ضخم أراد به تثبيت رواية أمنية ضاغطة أمام الداخل والخارج.

 

وأضاف ساعر أنه لا يوجد خلاف حقيقي مع الحكومة اللبنانية يتجاوز بعض القضايا الحدودية التي يمكن حلها عبر مفاوضات قصيرة، في محاولة لعزل حزب الله سياسيًا عن الدولة اللبنانية وتقديمه كعقبة وحيدة أمام التسوية.

 

غير أن هذه الصياغة الإسرائيلية تتجاهل أن لبنان نفسه يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي التي بقيت تحت الاحتلال بعد الحرب، وأن أي تفاوض لا يمكن أن يختزل الأزمة في سلاح حزب الله وحده.

 

وبحسب رويترز، تناقش إسرائيل ولبنان، ضمن مقترح مدعوم أمريكيًا، صيغة تجريبية لنقل أجزاء من الأراضي التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان إلى الجيش اللبناني، عبر مناطق محددة تتولى فيها قوات لبنانية مدربة أمريكيًا السيطرة تدريجيًا.

 

في المقابل، تشير التسريبات إلى أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بمنطقة عازلة قرب الحدود، وهو ما يجعل أي انسحاب «رمزي» أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى إنهاء فعلي للاحتلال، خصوصًا إذا لم يرتبط بجدول زمني واضح وضمانات ملزمة.

 

 

حزب الله بين الضربات والضغط السياسي

 

تقول الرواية الإسرائيلية إن حزب الله بدأ التصعيد الأخير في أوائل مارس، لكن الحزب يرى نفسه في مواجهة احتلال وضربات إسرائيلية متواصلة داخل الأراضي اللبنانية، ما يجعل المسار الدبلوماسي هشًا أمام أي غارة أو اغتيال جديد.

 

وقد ذكرت رويترز أن ضربة إسرائيلية بطائرة مسيرة في جنوب لبنان اختبرت هشاشة وقف إطلاق النار، رغم استمرار الجهود الأمريكية لاحتواء المواجهة وإقامة آلية تنسيق تمنع الانفجار الكامل بين الطرفين.

 

كما أن حزب الله انتقد مشاركة الحكومة اللبنانية في محادثات مع إسرائيل، باعتبارها من أعلى مستويات الانخراط بين الجانبين منذ عقود، وهو ما يعكس انقسامًا داخليًا لبنانيًا حول حدود التفاوض وشروطه ومخاطره.

 

ومن ناحية أخرى، تحاول واشنطن دفع الجيش اللبناني إلى الواجهة، عبر الحديث عن قوات «مدربة ومفحوصة» لا ترتبط بحزب الله، تتسلم مناطق تجريبية في الجنوب، بما يحول التفاوض إلى اختبار لقوة الدولة اللبنانية أمام الحزب.

 

لكن هذه الصيغة تحمل خطرًا داخليًا واضحًا، لأنها قد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية غير معلنة: جيش يطلب منه ملء فراغ الاحتلال، وحزب يرى أن إسرائيل لم تنسحب كاملًا، وسكان جنوبيون يخشون عودة النار فوق رؤوسهم.

 

 

انسحاب رمزي أم إعادة ترتيب للاحتلال

 

أفادت تقارير بأن إسرائيل تدرس خيار انسحاب محدود أو «رمزي» من أجزاء في جنوب لبنان كبادرة حسن نية تجاه الحكومة اللبنانية، لكن كلمة «رمزي» نفسها تكشف حدود العرض، فهو لا يجيب على سؤال السيادة اللبنانية كاملة.

 

وفي المقابل، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان، في موقف يضعف أي حديث عن تسوية قريبة ويؤكد أن إسرائيل تستخدم المفاوضات لتحسين شروط وجودها لا لإنهائه.

 

وتشير الجارديان إلى أن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وتعهد كاتس بعدم الانسحاب يعقدان الجهود الدبلوماسية الأوسع، خصوصًا مع تداخل الملف اللبناني مع ترتيبات أمريكية وإيرانية أوسع في المنطقة.

 

ولذلك يبدو تحذير السفير الإسرائيلي في واشنطن من أن المحادثات «تتجه نحو كارثة» بسبب النفوذ الإيراني في لبنان جزءًا من استراتيجية تفاوضية، هدفها رفع سقف المطالب قبل تثبيت أي صيغة نهائية.

 

وفي النهاية، لا تكشف تصريحات ساعر عن رغبة سلام بقدر ما تكشف عن معادلة إسرائيلية مألوفة: تحميل حزب الله وحده مسؤولية التصعيد، مطالبة الدولة اللبنانية بضبطه، التلويح بانسحاب محدود، ثم إبقاء اليد العسكرية الإسرائيلية مفتوحة.

 

وبين رقم 7 آلاف قذيفة، وخيار الانسحاب الرمزي، وتحذيرات الكارثة، تبدو محادثات إسرائيل ولبنان محاصرة بثلاثة ألغام: الاحتلال، وسلاح حزب الله، والدور الأمريكي الذي يريد تسوية أمنية سريعة أكثر من عدالة سياسية كاملة.