شهد الحزب الديمقراطي الأمريكي واحدة من أبرز الهزات السياسية الداخلية خلال الانتخابات التمهيدية للكونغرس في مدينة نيويورك، بعدما حقق مرشحون تقدميون معارضون للحرب الإسرائيلية على غزة سلسلة انتصارات لافتة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تحولات عميقة داخل الحزب، وخصوصاً في ما يتعلق بموقفه التقليدي من إسرائيل.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "بوليتيكو"، فإن نتائج الانتخابات التمهيدية التي جرت الثلاثاء تمثل ضربة قوية للتيار الديمقراطي المؤيد لإسرائيل، وتؤكد تنامي نفوذ الجناح التقدمي الذي جعل من الحرب على غزة وقضايا العدالة الدولية محوراً رئيسياً في حملاته الانتخابية.
وجاءت هذه النتائج في واحدة من أكثر البيئات السياسية حساسية، إذ تعد نيويورك أكبر تجمع سكاني يهودي في الولايات المتحدة، كما أنها لطالما شكلت مركزاً أساسياً للنفوذ السياسي والمالي الداعم لإسرائيل داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
هزيمة شخصيات بارزة في سباقات حاسمة
وفي أبرز نتائج الانتخابات، تمكن براد لاندر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، من إلحاق هزيمة مدوية بالنائب الديمقراطي دان غولدمان، في معركة انتخابية حظيت بمتابعة واسعة داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
ورغم أن لاندر يعرّف نفسه بأنه "صهيوني ليبرالي"، إلا أنه خاض حملته الانتخابية على أساس انتقاد السياسات الإسرائيلية في غزة، مهاجماً غولدمان بسبب دعمه العسكري لإسرائيل ورفضه وصف العمليات العسكرية في القطاع بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
ولم تكن هذه النتيجة الوحيدة التي حملت دلالات سياسية كبيرة، إذ نجحت المرشحة الاشتراكية الديمقراطية داريليزا أفيلا شوفالييه في إقصاء النائب المخضرم أدريانو إسبايلات، بعد حملة ركزت بصورة مكثفة على علاقته بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك".
كما حققت عضوة المجلس التشريعي لولاية نيويورك كلير فالديز تقدماً واضحاً في السباق لخلافة النائبة المتقاعدة نيديا فيلاسكيز، مستفيدة من خطاب سياسي تبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه الحرب في غزة مقارنة بمنافسيها.
تحولات متسارعة داخل القاعدة الديمقراطية
ويرى محللون أن هذه الانتصارات لا تمثل مجرد نجاحات انتخابية محلية، بل تعكس تغيراً متسارعاً في المزاج السياسي داخل القاعدة الديمقراطية، خاصة بين الشباب والناخبين التقدميين الذين باتوا أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية وأكثر تشكيكاً في الدعم الأمريكي غير المشروط لتل أبيب.
وتؤكد "بوليتيكو" أن ما كان يُعدّ قبل سنوات قليلة موقفاً هامشياً داخل الحزب الديمقراطي أصبح اليوم جزءاً من التيار الرئيسي في العديد من الدوائر الانتخابية، حيث لم تعد الانتقادات الحادة لإسرائيل تمثل عبئاً سياسياً على المرشحين، بل تحولت في بعض الحالات إلى عنصر قوة انتخابية.
وقال الاستراتيجي الديمقراطي المخضرم جون بول لوبو إن المرشحين الذين يعارضون الحرب في غزة يتمتعون حالياً بأفضلية سياسية واضحة داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، مشيراً إلى أن المزاج العام للناخبين في المدن الكبرى يشهد تحولاً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب.
وأضاف أن المشهد السياسي الذي برز في انتخابات نيويورك يؤكد استمرار صعود التيار التقدمي الذي تمكن خلال السنوات الأخيرة من بناء قاعدة جماهيرية واسعة، خصوصاً بين الناخبين الشباب والأقليات العرقية والشرائح الليبرالية.
تحديات متزايدة أمام قيادة الحزب
كما لعب العمدة التقدمي زهران ممداني دوراً بارزاً في تعزيز هذا التوجه، إذ ارتبط اسمه بعدد من الحملات الانتخابية التي دعمت مرشحين يتبنون مواقف أكثر انتقاداً لإسرائيل، وهو ما انعكس على نتائج الانتخابات الأخيرة.
وتضع هذه التطورات قيادات الحزب الديمقراطي أمام تحديات معقدة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، اللذين يُعرفان بمواقفهما الداعمة لإسرائيل.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الحزبان إلى الحفاظ على دعم الناخبين اليهود التقليديين والجماعات المؤيدة لإسرائيل، يواجهان ضغوطاً متزايدة من جيل جديد من الناخبين والمسؤولين المنتخبين الذين ينظرون إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية مختلفة تماماً.
قلق داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل
من جانب آخر، أثارت النتائج قلقاً متزايداً في أوساط الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل، الذين اعتبروا ما حدث في نيويورك بمثابة جرس إنذار يجب التعامل معه بجدية، حتى وإن كانت الولاية لا تعكس بصورة كاملة المزاج العام للحزب على المستوى الوطني.
وقال الاستراتيجي الديمقراطي أليكس هوفمان إن الاشتراكيين الديمقراطيين والمرشحين المنتقدين لإسرائيل سيحصلون الآن على نفوذ أكبر من أي وقت مضى داخل الحزب، محذراً من أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل بحاجة إلى مراجعة شاملة لاستراتيجياتها السياسية إذا أرادت الحفاظ على تأثيرها التقليدي.
"إيباك" في مرمى الهجوم التقدمي
وفي قلب هذه المعركة السياسية برز اسم منظمة "إيباك" مجدداً، لكن هذه المرة بوصفها هدفاً للحملات التقدمية أكثر من كونها أداة دعم انتخابي. فقد نجح العديد من المرشحين في تحويل تلقي منافسيهم دعماً مالياً من المنظمة إلى نقطة ضعف سياسية، مستفيدين من تنامي الانتقادات الشعبية لنفوذ جماعات الضغط والتمويل السياسي في الولايات المتحدة.
وخلال احتفالات الفوز، ردد أنصار بعض المرشحين شعارات مناهضة لـ"إيباك"، كما ارتفعت هتافات داعمة لفلسطين في عدد من التجمعات الانتخابية، في مشهد اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على التغير المتسارع الذي تشهده القاعدة الديمقراطية تجاه قضايا الشرق الأوسط.

