سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي شراء قدره 8.1 مليار دولار منذ بداية يونيو، بحسب بيانات البورصة المصرية، فدعم التدفق السريع الجنيه ودفع الدولار دون 50 جنيهًا.
سياسيًا واجتماعيًا، لا يعني تحسن الجنيه أن الاقتصاد تعافى، بل يكشف دولة تسكن الألم بأموال ساخنة قابلة للهروب، بينما يبقى المواطن رهينة غلاء وديون وفائدة مرتفعة وانكشاف خارجي دائم.
مسكن دولاري لا علاج اقتصادي
بداية، جاءت التدفقات الجديدة موزعة بين 2.3 مليار دولار في الأسبوع الأول من يونيو، و635 مليون دولار في الأسبوع التالي، و4 مليارات دولار خلال الأسبوع الماضي، قبل إضافة 1.1 مليار دولار هذا الأسبوع.
وبالتالي، فإن قوة الجنيه لم تأت من طفرة إنتاج أو تصدير أو صناعة، بل من شراء أجانب وعرب لأدوات دين حكومية قصيرة الأجل، تبحث عن عائد مرتفع وفرصة خروج سريعة.
كما أن العربية بزنس ربطت هذه التدفقات مباشرة بصعود الجنيه بنسبة 4% خلال أسبوع، ليستقر الدولار تحت مستوى 50 جنيهًا لأول مرة منذ مارس الماضي، وفق رصدها المصرفي.
لزيادة المفارقة، سجل البنك المركزي المصري يوم 25 يونيو سعرًا قدره 49.4654 جنيه للشراء و49.6034 جنيه للبيع للدولار، وهو تحسن رقمي لا يشعر به المواطن في الأسعار.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفع الجنيه، بل ماذا سيحدث إذا خرجت هذه الأموال فجأة، كما حدث في أزمات سابقة عندما هربت السيولة الأجنبية وتركت العملة تحت الضغط.
ومن ثم، فإن الاعتماد على الأموال الساخنة يشبه وضع جبيرة مؤقتة على كسر مفتوح؛ يمنع الانهيار اللحظي، لكنه لا يبني عظم الاقتصاد ولا يعالج نزيف الواردات والدين وخدمة الفوائد.
غير أن هاني جنينة، رئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس، وصف الأموال الساخنة بأنها سلاح ذو حدين، توفر سيولة سريعة لكنها شديدة الحساسية لأي خبر سلبي أو اضطراب خارجي.
علاوة على ذلك، شدد جنينة على أهمية تسريع الطروحات وجذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل، لأنها تقلل الاعتماد على القروض والتدفقات الطائرة التي تدخل السوق اليوم وتخرج غدًا.
الجنيه تحت رحمة الخارج
بناءً على ذلك، فإن ارتفاع الجنيه أمام الدولار لا يعكس بالضرورة قوة داخلية مستدامة، بل يعكس شهية مستثمرين لعوائد أدوات الدين، وسط تراجع مؤقت للتوترات الإقليمية وتحسن شهية المخاطرة.
في المقابل، لا تزال مصر تحت ضغط حاجات دولارية ضخمة، من واردات الغذاء والطاقة إلى خدمة الدين، بما يجعل أي تحسن في سعر الصرف معرضًا للاهتزاز مع أول صدمة.
ومن ناحية أخرى، حذر صندوق النقد الدولي في أبريل 2026 من تصاعد اعتماد الأسواق الناشئة على الأموال الساخنة، مؤكدًا أنها قد تنسحب بسرعة عند حدوث صدمات مالية أو جيوسياسية.
كذلك، أوضح الصندوق أن المستثمرين غير المصرفيين أصبحوا يهيمنون على تمويل الأسواق الناشئة، وأن ضعف الأطر المؤسسية ورقة الأسواق يزيدان هشاشة الدول أمام موجات الخروج المفاجئة.
إلا أن الحكومة المصرية تتعامل مع عودة هذه الأموال كأنها شهادة ثقة كاملة، بينما هي في حقيقتها اختبار يومي لمدى قدرة الاقتصاد على تحمل مزاج المستثمر الأجنبي.
ثم إن محمد أبو باشا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي في إي إف جي هيرميس، وصف مرونة سعر الصرف بأنها صمام أمان لحماية الاحتياطيات وتوفير سيولة دولارية، لا ضمانًا دائمًا للاستقرار.
وفوق ذلك، فإن وصف المرونة بأنها صمام أمان يعني الاعتراف ضمنيًا بأن الجنيه معرض للصدمات، وأن البنك المركزي لم يعد يستطيع تثبيت السعر إداريًا دون استنزاف الاحتياطي كما حدث سابقًا.
وفي هذا السياق، يصبح تحسن الدولار أمام الجنيه خبرًا مصرفيًا جيدًا، لكنه سياسيًا واجتماعيًا لا يكفي، لأن المواطن لا يأكل عوائد أذون الخزانة ولا يدفع فواتيره بتدفقات المحافظ.
خروج مفاجئ وانهيار مؤجل
على صعيد المخاطر، شهدت مصر سابقًا تخارجات عنيفة للأموال الساخنة مع الحرب الروسية الأوكرانية، ثم مع صدمات إقليمية لاحقة، وهي تجارب تكشف هشاشة نموذج الاعتماد على الدين.
بينما تشير تقارير حديثة إلى أن صراع إيران ضغط على الجنيه والأسواق الناشئة، فإن عودة الأموال بعد هدوء نسبي لا تعني زوال الخطر، بل تعني أن السوق ينتظر الشرارة التالية.
أما جيمس سوانستون من كابيتال إيكونوميكس، فقد ربط جاذبية السندات المحلية المصرية بعوائد مرتفعة وبثقة يوفرها دعم صندوق النقد والتمويل الخارجي، لا بتحول إنتاجي جذري داخل الاقتصاد.
فضلاً عن ذلك، فإن العائد المرتفع الذي يجذب الأجانب اليوم هو نفسه كلفة على الموازنة غدًا، لأنه يعني فوائد أكبر تدفعها الدولة من الضرائب والاقتراض والضغط على الإنفاق الاجتماعي.
ومع ذلك، يظل الخطاب الرسمي محتفيًا بدخول الدولارات، بينما يتجاهل أن المستثمر في الدين لا يبني مصنعًا ولا يوظف عمالًا ولا ينقل تكنولوجيا، بل يشتري ورقة بعائد مغر.
من هنا، فإن الحل ليس رفض التدفقات الأجنبية، بل منع تحويلها إلى أساس للاستقرار المزعوم، عبر زيادة الصادرات والسياحة وتحويلات العاملين والاستثمار المباشر، وتخفيف قبضة الدولة على الاقتصاد.
كذلك، يجب إعلان بيانات واضحة عن آجال هذه التدفقات وحجم حيازات الأجانب وتكلفة الفائدة، حتى يعرف المواطن هل يدعم الجنيه اقتصاد حقيقي أم مجرد مضاربة منظمة على الدين.
في النهاية، تكشف قفزة 8.1 مليار دولار في أدوات الدين أن الجنيه يعيش هدنة لا انتصارًا، وأن انخفاض الدولار تحت 50 جنيهًا قد يكون تسكينًا مؤقتًا لا علاجًا.
وبذلك، يصبح الخطر الأكبر أن تبيع الحكومة للمواطن وهم التحسن، ثم يستيقظ على موجة خروج جديدة، فينهار الجنيه مرة أخرى، ويدفع الفقراء وحدهم فاتورة “الثقة” التي لم تكن حقيقية.

