كشفت شكاوى مواطنين ضد منصة حالا وشركات التمويل الشخصي في مصر عن رسوم مفاجئة وتعثر أموال وضغوط تحصيل، بينما انتهت المأساة في الإسماعيلية بانتحار فاطمة محمود جابر تحت وطأة الديون.

 

وفي بلد تحاصر فيه السلطة الناس بالغلاء والفقر وتترك السوق ينهش الضعفاء، لم يعد الدين تعثراً مالياً فقط، بل صار أداة إذلال يومية تطارد البيوت حتى تدفع فتاة مثل فاطمة إلى الموت.

 

غير أن مأساة فاطمة لا يمكن عزلها عن شكاوى المواطنين من منصات القروض والتقسيط، لأن الخيط واحد: وعود سهلة في البداية، ثم أقساط خانقة، ورسوم غامضة، وملاحقة لا ترحم عند التعثر.

 

 

فاطمة حين صار الدين حكماً بالموت

 

بداية، تحدثت أسرة فاطمة محمود جابر من قرية سرابيوم بالإسماعيلية عن فتاة كانت تعود إلى بيتها منهارة من الخوف، بعدما تحولت المديونيات من أرقام على الورق إلى كابوس يومي يطاردها.

 

وبحسب رواية صديقتها إكرام محمد، لم تكن فاطمة هاربة من مسؤولية ولا باحثة عن عذر، بل كانت تحت ضغط شركة تطالبها بسداد أقساط عملاء وصلت إلى 400 ألف جنيه.

 

كما قالت الرواية نفسها إن فاطمة دفعت من مالها أكثر من 70 ألف جنيه لسداد أقساط تخص عملاء آخرين، قبل أن تصل إلى لحظة عجز قاتلة انتهت بانتحارها داخل محافظة الإسماعيلية.

 

ومن ثم، فإن انتحار فاطمة ليس خبراً عابراً عن فتاة تعثرت، بل اتهام مفتوح لمنظومة تمويل وتحقيق أرباح وتحميل موظفين فقراء أعباء لا يملك القانون ولا الضمير قبولها.

 

لذلك، قالت والدتها إن ابنتها حصلت على نحو 7 قروض باسم بطاقات أفراد من أسرتها، وباعت شبكتها وجهازها، في محاولة يائسة لسد فجوة كانت تكبر أسرع من قدرتها.

 

علاوة على ذلك، تكشف الحكاية أن شركات التمويل لا تضغط على المدين وحده، بل تسحب أسرته وذهبه ومستقبله وأعصابه إلى دائرة السداد، حتى يصبح البيت كله رهينة لقسط لا ينتهي.

 

وفي هذا السياق، قال المحامي أحمد عوض إن مسؤولية موظف الائتمان مسؤولية عناية لا نتيجة، ولا يجوز تحميله مديونيات العملاء إلا إذا ثبت تزوير أو تدليس أو إهمال جسيم.

 

وبالتالي، فإن إلزام موظفة صغيرة مثل فاطمة بسداد ديون عملاء متعثرين، إن صح وفق روايات الأسرة، يعني نقل مخاطر الشركة إلى أضعف حلقة، ثم تركها وحدها أمام الخوف والفضيحة والانكسار.

 

 

شكاوى مواطنين تكشف الوجه الخشن لحالا

 

على الجانب الآخر، تظهر شكاوى منشورة ضد منصة حالا أن أزمة التمويل الشخصي لا تبدأ عند الانتحار، بل تبدأ من تفاصيل صغيرة تبدو عادية: قسط تأخر، مال لم يصل، وموظف لا يرد.

 

فقد كتب صاحب شكوى باسم كراميليتا أن محاولة تصوير البطاقة داخل الخدمة فشلت مراراً، وأن النظام ظل يعيد رسالة خطأ، قبل أن يقرر حذف الخدمة بعدما شعر أن التجربة غير جديرة بالثقة.

 

كما كتب مهدي 74 شكوى قال فيها إن الشركة بدأت فجأة احتساب رسوم تأخير يومية بعدما لم تكن تفعل ذلك سابقاً، معتبراً أن هذه المنصات أدخلت الخراب إلى بيته.

 

كذلك قال صاحب حساب باسم عميل حالا إن خدمة العملاء شديدة السوء، وإن الوصول إلى موظف يحتاج اتصالات كثيرة، بينما تظل الشكوى بلا حل، ويتكرر تعطل الخدمة دون رد حاسم.

 

وفي شكوى أخرى، قال إيجي فلسطيني إن التسوية المبكرة غير متاحة له عبر هاتفه، بينما تبدو متاحة لآخرين، وهو ما اعتبره خللاً يضع العميل أمام طريق واحد: الاستمرار في القسط.

 

ثم كتب ميدو حسين أن الخدمة وعدت بإيداع الأموال خلال ثوان، لكنه ظل 3 أيام ينتظر وصول المبلغ، وهو تأخير يفتح سؤالاً خطيراً عن مصير أموال المواطنين داخل هذه المنظومة.

 

إضافة إلى ذلك، اشتكى صاحب حساب باسم شركة حالا من أن موظفي خدمة العملاء لا يعرفون تفاصيل الخدمات، ويقدمون معلومات متضاربة، بما يجعل المواطن يدور في حلقة مغلقة بين القسط والانتظار.

 

أما رشا الخولي فاشتكت من تأخر طلبات حالا جملة، وقالت إن الانتظار قد يصل إلى 48 ساعة، لتظهر الأزمة خارج القرض أيضاً، في صورة خدمة واسعة لكنها غير مستقرة.

 

كذلك قال أيه خليفة إن طلبه تأخر ساعات طويلة ثم ألغي بسبب خطأ في تحديد المكان، بينما عرضت الشركة إعادة الرصيد بدلاً من حل المشكلة فوراً، بما يعمق شعور العجز.

 

وبناءً على ذلك، لا تبدو هذه الشكاوى مجرد غضب فردي، بل نمطاً متكرراً من خلل الخدمة والرسوم والتأخير، وهو نمط يصبح قاتلاً حين يلتقي بالفقر والبطالة وغياب الرقابة.

 

 

رقابة غائبة وسوق يتسع فوق رؤوس الفقراء

 

على المستوى الاقتصادي، يرى الدكتور إلهامي الميرغني أن التمويل الموجه للفقراء تحول في حالات كثيرة إلى إقراض تجاري بفوائد مرهقة، لا يهتم بنجاح المشروع ولا بتوفير حماية حقيقية للمقترض.

 

كما يحذر الميرغني من أن القروض الاستهلاكية وشركات التحصيل صارت جزءاً من أزمة أوسع، حيث يدخل المواطن القرض مضطراً، ثم يجد نفسه محاصراً بالمطالبة والسداد والضغط الاجتماعي والنفسي.

 

ومن الناحية النفسية، يربط الدكتور جمال فيروز بين الضغط المالي الشديد والانتحار الاندفاعي، خصوصاً حين يشعر الشاب أو الفتاة بانعدام المخرج، والخوف من الفضيحة، وفقدان القدرة على طلب النجدة.

 

ولزيادة خطورة الصورة، تشير بيانات دولية إلى أن تساهيل، التابعة لمجموعة إم إن تي حالا، خدمت 2.2 مليون عميل في مصر، وتعمل في 25 محافظة ولديها أكثر من 700 فرع.

 

غير أن هذا الاتساع لا يعني نجاحاً اجتماعياً بالضرورة، لأن كثرة الفروع والعملاء تصبح خطراً مضاعفاً إذا لم تصاحبها رقابة حقيقية على التحصيل، والرسوم، والضغط الواقع على العملاء والموظفين.

 

وقد أصدرت الرقابة المالية ضوابط لتنظيم تحصيل مستحقات أنشطة التمويل غير المصرفي، بينها إنشاء سجل لشركات التحصيل وإخطار العملاء ببيانات جهات التحصيل ووسائل التحقق من هوية المحصلين.

 

إلا أن السؤال القاسي يبقى قائماً: لماذا تتحرك الدولة دائماً بعد الكارثة، ولماذا تُترك فاطمة وأمثالها وحدهم بين شركة تطالب، وأسرة تستدين، ومجتمع يجلد الضحية بدلاً من مساءلة المنظومة.

 

في النهاية، انتحار فاطمة ليس هامشاً في تقرير عن شكاوى حالا، بل هو العنوان الحقيقي لسوق قروض يبيع النجاة للفقراء، ثم يحولهم عند التعثر إلى فرائس للتحصيل والخوف والموت.