تواصل أزمة العاملين بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة تصاعدها، بعدما دخل محصلو الفواتير وقرّاء العدادات يومهم السادس من الامتناع عن أعمال التحصيل، احتجاجًا على استمرار تجاهل مطالبهم المتعلقة بتثبيت العمالة المؤقتة وضم العلاوات الخاصة والاستثنائية المتوقفة منذ عام 2016، في واحدة من أكبر التحركات العمالية التي تشهدها الشركة خلال الفترة الأخيرة.

 

وشمل الامتناع عن أعمال التحصيل عددًا من الفروع، أبرزها بهتيم ومصر الجديدة والحي العاشر، وسط توقعات من العاملين باتساع دائرة الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة لتشمل مزيدًا من الفروع والمحطات، في ظل حالة من الغضب بسبب ما وصفوه باستمرار المماطلة في الاستجابة لمطالبهم.

 

أجهزة التحصيل متوقفة ورسائل احتجاج داخل الفروع


وأظهرت صور تداولها عاملون داخل الشركة تجمع أجهزة التحصيل الإلكترونية داخل مقار العمل، وقد كُتبت عليها عبارة "حتى التثبيت والعلاوات"، في رسالة تعكس تمسك العاملين بمطالبهم قبل العودة إلى ممارسة أعمال التحصيل.

 

ويرى العاملون أن هذه الخطوة ليست سوى بداية لتحركات أوسع إذا استمرت الإدارة في تجاهل مطالبهم، مؤكدين أن الأزمة الحالية تعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها الشركة في نوفمبر من العام الماضي، عندما نظم العاملون وقفات متزامنة استمرت قرابة أسبوعين في عشرات المواقع للمطالبة بالحقوق نفسها.

 

مطالب قديمة لم تجد طريقها إلى التنفيذ


ويؤكد المحتجون أن مطالبهم لم تتغير منذ سنوات، وتشمل: تثبيت العمالة المؤقتة، وضم العلاوات الخاصة والاستثنائية المتأخرة منذ عام 2016، وصرف فروق الضرائب التي تم خصمها بأعلى من المستحق، وتحسين البدلات والحوافز، وطبيق الحد الأدنى للأجور بصورة عادلة.

 

ويقول أحد العاملين إن الإدارة لم تستفد من تجارب الاحتجاجات السابقة، معتبرًا أن سياسة التسويف دفعت العمال إلى طريق مسدود، مضيفًا أن سنوات من الوعود لم تسفر عن تنفيذ أي من المطالب الأساسية.

 

أجور متدنية ومعاناة مع ارتفاع تكاليف المعيشة


ويؤكد العاملون أن الأزمة لا تقتصر على ملف العلاوات، وإنما تمتد إلى ضعف الرواتب مقارنة بمتطلبات الحياة الحالية، وأوضح أحد المحصلين أن دخول العاملين بنظام العمولة أو الوكالة تتراوح بين خمسة وستة آلاف جنيه شهريًا، رغم طبيعة العمل الميداني، فضلاً عن حرمانهم من مزايا مالية عديدة، مثل الأرباح السنوية، إضافة إلى اشتراط تحقيق نسب تحصيل تصل إلى 90% للحصول على مكافآت مرتفعة، وهو ما يعتبره العاملون شرطًا يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان.

 

وأضاف عامل آخر أن الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على العمالة المؤقتة، بل يحظى المحصلون المؤقتون بتضامن واسع من زملائهم المعينين، الذين يعانون هم أيضًا من تدني الرواتب، موضحًا أن هناك موظفين أمضوا ما بين 25 و30 عامًا في الخدمة، بينما لا يتجاوز صافي رواتبهم سبعة أو ثمانية آلاف جنيه شهريًا، رغم الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

 

وأشار العامل إلى أن العديد من الموظفين اضطروا خلال السنوات الأخيرة إلى الاقتراض بشكل متكرر أو الاعتماد على بطاقات الائتمان لتغطية احتياجات أسرهم، حتى تراكمت على بعضهم مديونيات كبيرة.

 

وقفة احتجاجية في فرع بهتيم


وفي تطور متزامن مع الإضراب، نظم محصلو الفواتير وقراء العدادات بفرع بهتيم وقفة احتجاجية داخل مقر الفرع، للمطالبة بالتثبيت وصرف العلاوات المتأخرة.

 

وأكدت مصادر من داخل الشركة أن الوقفة اقتصرت على المحصلين دون مشاركة بقية الموظفين، في الوقت الذي شهدت فيه مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية دعوات لتنظيم وقفات متزامنة في عدد من الفروع المختلفة للضغط على إدارة الشركة للإسراع في تنفيذ المطالب.

 

بيان الشركة أحدث انقسامًا بين العاملين


ومع تصاعد الدعوات للاحتجاج، أعلنت الشركة في بيان رسمي تشكيل لجنة لدراسة جميع الجوانب القانونية والإدارية والمالية الخاصة بملف العلاوات، مؤكدة أن اللجنة ستبحث مختلف أبعاد الأزمة وصولًا إلى رؤية قانونية تحقق العدالة وتحافظ على حقوق العاملين.

 

إلا أن البيان أحدث حالة من الانقسام داخل صفوف العاملين، إذ اعتبر فريق منهم أن تشكيل اللجنة يمثل محاولة لامتصاص الغضب وتأجيل الحسم، بينما رأى آخرون ضرورة منح اللجنة فرصة لإنهاء أعمالها قبل تصعيد الاحتجاجات.

 

اتهامات بوجود ضغوط إدارية


في المقابل، قال عدد من العاملين إن بعض الموظفين تعرضوا خلال الأيام الماضية لضغوط إدارية وتهديدات بالإحالة إلى التحقيق، حال الاستمرار في نشر دعوات الاحتجاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المشاركة في الوقفات، وهو ما اعتبره العمال محاولة للحد من اتساع التحركات داخل الشركة.

 

النقابة تدعو لانتظار نتائج اللجنة


من جانبها، أعلنت النقابة العامة للعاملين بالمرافق العامة دعمها للبيان الصادر عن الشركة، مؤكدة أنها تتابع ملف العلاوات عن قرب، معربة عن أملها في أن تنتهي اللجنة إلى نتائج واضحة وعادلة خلال أقرب وقت، بما يحقق مطالب العاملين ويحافظ على استقرار العمل.

 

الإدارة تنفي توقف التحصيل


ورغم تأكيد العاملين استمرار الامتناع عن التحصيل، نفى رئيس اللجنة النقابية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة، حمدي السعداوي، وجود توقف فعلي في أعمال التحصيل، مؤكدًا أنه لم يتلق أي تقارير رسمية تشير إلى ذلك.

 

وبعد اطلاعه على الصور المتداولة، أوضح أن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي تعمل حاليًا على إعداد تقرير شامل بشأن ملف العلاوات المتأخرة، تمهيدًا لرفعه إلى وزيرة الإسكان، وذلك عقب تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة بشأن عدم ضم العلاوات الخاصة والاستثنائية منذ عام 2016.

 

تجربة القليوبية تمنح العاملين أملًا


ويستند المحتجون إلى تجربة محصلي الفواتير وقراء العدادات في شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، الذين نجحوا مطلع يونيو الجاري، بعد أشهر من الاحتجاجات والمفاوضات، في الحصول على تطبيق الحد الأدنى للأجور، إلى جانب توقيع عقود جديدة تضمنت تحسين أوضاعهم المالية والتأمينية.

 

ويرى العاملون في "مياه القاهرة" أن ما تحقق لزملائهم في القليوبية يؤكد إمكانية الوصول إلى حلول مماثلة إذا توافرت الإرادة الجادة للتفاوض والاستجابة للمطالب، وهو ما يدفعهم إلى مواصلة تحركاتهم لحين صدور قرارات عملية تنهي سنوات من المطالبة بالعلاوات والتثبيت وتحسين الأوضاع المعيشية.