ناقشت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، برئاسة النائب محمد سعفان، طلب إحاطة بشأن منشآت خاصة في الأقصر، تتهم بتشغيل عمال 12 ساعة يومياً برواتب 1500 جنيه، وسط تعهدات بتفتيش عاجل.

 

وبالتالي، لا تبدو القضية شكوى عمالية محلية، بل فضيحة اجتماعية تكشف كيف يعيش عمال الأمن والنظافة خارج حماية القانون، بينما تتآكل أجورهم تحت الغلاء وتتحول ساعاتهم الطويلة إلى عقوبة يومية.

 

كما أن النائب عبدالرحمن بشاري كشف أمام اللجنة أن شكاوى متكررة وردت من عاملين في شركات أمن وحراسة ونظافة ومنشآت خدمية، يتقاضون رواتب أقل كثيراً من الحد الأدنى المقرر قانوناً.

 

لذلك، وصف بشاري ما يحدث بأنه شغل استعباد لبعض المواطنين، بعدما تحدث عن رواتب 1500 جنيه شهرياً وساعات عمل تصل إلى 12 ساعة يومياً دون احتساب مقابل إضافي.

 

ومن ثم، يصبح السؤال أكبر من شركة بعينها، لأن بعض هذه الشركات متعاقد مع محافظة الأقصر ذاتها، وأخرى تعمل في مطار الأقصر، ما ينقل المسؤولية من القطاع الخاص إلى الجهات المتعاقدة والمراقبة.

 

غير أن الحكومة أعلنت رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه شهرياً اعتباراً من أول يوليو 2026، بينما تكشف شكاوى الأقصر عن فجوة قاسية بين القرار الورقي والواقع الميداني.

 

رواتب تحت الحد وساعات فوق القانون

 

علاوة على ذلك، أكد بشاري أن العامل الذي يقبض 1500 جنيه في ظل الغلاء لا يواجه مخالفة إدارية فقط، بل يعيش إهانة اقتصادية مكتملة، خصوصاً حين يعمل 12 ساعة بلا أجر إضافي.

 

بناء على ذلك، تتحول شركات الأمن والنظافة إلى نموذج فاضح للعمل الهش، حيث يبيع العامل يومه كله تقريباً مقابل أجر لا يكفي الحد الأدنى من الطعام والمواصلات والدواء وإيجار السكن.

 

في المقابل، ينص قانون العمل على أن ساعات التشغيل الفعلية لا تتجاوز 8 ساعات يومياً أو 48 ساعة أسبوعياً، مع احتساب مقابل إضافي عند تشغيل العامل فوق المدة القانونية.

 

ثم إن تشغيل العمال 12 ساعة يومياً يعني تجاوزاً مزدوجاً، الأول في مدة العمل نفسها، والثاني في حرمان العامل من المقابل الإضافي، وهو ما يجعل المخالفة مستمرة لا عارضة.

 

إضافة إلى ذلك، قال ممثل وزارة العمل أمام اللجنة إن أجهزة التفتيش راجعت 5438 منشأة وشركة في الأقصر، وحررت 420 محضراً لمخالفات شملت الأجور وساعات العمل وغياب العقود.

 

ومن ناحية أخرى، يكشف هذا الرقم أن المشكلة ليست حالات فردية، لأن تحرير 420 محضراً في محافظة واحدة يعني وجود نمط واسع من المخالفات، لا مجرد شكاوى معزولة من عمال غاضبين.

 

وعليه، فإن اعتراف الوزارة بوجود مخالفات يمنح طلب الإحاطة وزناً مضاعفاً، لكنه يطرح سؤالاً أشد: لماذا لم تمنع حملات التفتيش السابقة استمرار الرواتب المتدنية وساعات العمل المخالفة.

 

شركات متعاقدة مع المحافظة في موضع الاتهام

 

فضلاً عن ذلك، تزداد خطورة الملف لأن بعض الشركات محل الشكاوى تقدم خدمات أمن ونظافة لجهات عامة أو مرافق حيوية، بما يعني أن المال العام قد يدفع لعقود تنتج انتهاكاً للعمال.

 

في السياق ذاته، أوصى رئيس اللجنة محمد سعفان بخروج لجنة تفتيش من وزارة العمل بالقاهرة إلى الأقصر، للاطلاع على عقود العاملين والحديث مع المحافظ ومراجعة الشركات التي ذكرها النائب.

 

وبالمثل، طالب سعفان بعرض نتائج الزيارة على اللجنة مرة أخرى، حتى لا يتحول النقاش إلى جلسة تنفيس برلماني، ثم يعود العمال إلى ساعاتهم الطويلة ورواتبهم المهينة بلا تغيير.

 

غير أن التعهدات الحكومية لا تكفي وحدها، لأن العامل الذي يخاف فقدان وظيفته قد لا يملك القدرة على الشكوى، ما يجعل التفتيش الحقيقي مسؤولية دولة لا عبئاً على الضحية.

 

لزيادة وضوح الصورة، يقول القيادي العمالي كمال عباس إن الحد الأدنى للأجر ليس منحة من صاحب العمل، بل أداة لتحقيق توزيع أكثر عدلاً للدخل وتقليص الفوارق الاجتماعية بين الطبقات.

 

كما أن عباس حذر في كتاباته من أن قيمة الحد الأدنى تفقد معناها إذا لم ترتبط بتكاليف المعيشة وبآليات رقابة جادة، لأن القرار غير المنفذ يصبح إعلاناً سياسياً لا حقاً فعلياً.

 

وبالتالي، فإن رواتب 1500 جنيه في الأقصر لا تضرب قرار الحد الأدنى فقط، بل تضرب فكرة الدولة الضامنة، حين تترك العامل محاصراً بين عقد ضعيف وصاحب عمل أقوى ورقابة متأخرة.

 

التفتيش وحده لا يكفي

 

إلى جانب ذلك، ترى الباحثة العمالية فاطمة رمضان أن عمال القطاع الخاص ظلوا الحلقة الأضعف في سياسات الأجور، لأن تطبيق الحد الأدنى عليهم ظل رهناً بقرارات متأخرة ورقابة محدودة.

 

كذلك، فإن تجربة القطاع الخاص تكشف أن العامل قد يحمل حقاً مكتوباً في القانون، لكنه لا يستطيع انتزاعه في الواقع، بسبب الخوف من الفصل وغياب النقابات المستقلة وضعف المفاوضة الجماعية.

 

بالمقابل، يؤكد المحامي الحقوقي خالد علي في مرافعاته وكتاباته عن الحقوق الاجتماعية أن الأجر العادل ليس رقماً حسابياً فقط، بل شرط أساسي لصون الكرامة الإنسانية ومنع الاستغلال الاقتصادي.

 

وعليه، فإن الحديث عن تطبيق القانون يجب أن يتجاوز تحرير المحاضر إلى إلزام الشركات برد فروق الأجور، ودفع مستحقات العمل الإضافي، وتحرير عقود قانونية واضحة لكل عامل.

 

كما ينبغي أن تشمل المراجعة عقود الجهات الحكومية مع شركات الأمن والنظافة، لأن الجهة المتعاقدة لا تستطيع غسل يدها من الانتهاك إذا كانت تستفيد من خدمة رخيصة مبنية على أجور مهينة.

 

من هنا، تبدو محافظة الأقصر اختباراً لحقيقة خطاب الحكومة عن العمل اللائق، فإما أن تتحول حملة التفتيش إلى محاسبة ورد حقوق، أو تبقى 420 محضراً رقماً بلا أثر.

 

وأخيرا، لا يحتاج العامل الذي يقف 12 ساعة مقابل 1500 جنيه إلى وعود جديدة، بل إلى راتب قانوني وساعات عادلة وعقد يحميه، ودولة لا تكتشف الاستعباد بعد سنوات.