أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن ما وصفه بـ"الأيديولوجية الصهيونية" لا يستهدفه شخصياً ولا يقتصر على حزب العدالة والتنمية أو "تحالف الجمهور"، وإنما يستهدف الدولة التركية بكل مؤسساتها وشعبها، مشدداً على أن مواجهة هذه التحديات تمثل معركة وجود تتعلق بأمن البلاد ووحدتها ومستقبلها.
وجاءت تصريحات أردوغان خلال كلمة ألقاها، السبت، في فعالية جماهيرية نظمها حزب العدالة والتنمية بولاية صقاريا شمال غربي تركيا، حيث تناول عدداً من الملفات السياسية والأمنية والاجتماعية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومكافحة الإرهاب، وقضايا الهوية الوطنية، والحريات الدينية، إضافة إلى مشروع "تركيا بلا إرهاب".
وقال الرئيس التركي إن الأيديولوجية الصهيونية، التي وصفها بأنها تقوم على "الإبادة الجماعية والاحتلال والتوسع"، لا تستهدف فئة سياسية بعينها داخل تركيا، بل تمثل خطراً على جميع المواطنين الأتراك بمختلف انتماءاتهم.
وأضاف أن بلاده لا تخوض مواجهة مع هذه الأيديولوجية من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو حزبية، وإنما دفاعاً عن بقاء الدولة التركية وحماية شعبها، مؤكداً أن وحدة الصف الداخلي تمثل حجر الأساس في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية التي تحيط بتركيا.
وشدد أردوغان على أن تركيا تضم أكثر من 86 مليون مواطن يجمعهم تاريخ مشترك ومصير واحد وأرض واحدة ارتوت بدماء الشهداء، معتبراً أن الاختلافات السياسية أو الفكرية أو المذهبية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للانقسام، لأن الجميع يعيش تحت راية واحدة ويتجه نحو مستقبل واحد.
وأشار إلى أن التنوع داخل المجتمع التركي يمثل مصدر قوة وليس سبباً للصراع، مؤكداً أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يظل أولوية قصوى في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.
العدالة والتنمية وسياسة الاحتواء
وفي معرض حديثه عن المسار السياسي لحزب العدالة والتنمية، قال أردوغان إن الحزب منذ تأسيسه تبنى سياسة تقوم على الاحتضان والمصالحة والاندماج المجتمعي، بعيداً عن سياسات الإقصاء أو التهميش أو الاستقطاب.
وأوضح أن جميع المعارك السياسية التي خاضها الحزب خلال السنوات الماضية كانت تستهدف ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين، وليس منح امتيازات لفئة دون أخرى، مؤكداً أن الإصلاحات التي نفذتها حكوماته جاءت لخدمة المجتمع التركي بأكمله.
الحجاب.. "ليس تطرفاً ولا رمزاً لأيديولوجية"
وتطرق الرئيس التركي إلى قضية الحجاب، معتبراً أنها واحدة من أبرز الملفات التي شهدت تغيراً خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، وقال إن آلاف النساء والفتيات، بمن فيهن بناته، تعرضن خلال عقود سابقة للحرمان من الدراسة والعمل بسبب ارتدائهن الحجاب، معتبراً أن تلك المرحلة مثلت انتهاكاً لحرية المعتقد والحقوق الأساسية.
وأكد أردوغان أن ارتداء الحجاب نابع من قناعة دينية شخصية، نافياً أن يكون رمزاً للتطرف أو لأيديولوجية سياسية معينة.
وأضاف أن الحجاب بمختلف أشكاله يمثل جزءاً طبيعياً من الهوية الاجتماعية والثقافية في تركيا منذ قرون طويلة، مؤكداً أن احترام حرية المرأة في اختيار ملبسها يعد من المبادئ الأساسية التي تدافع عنها حكومته.
انتقادات لحزب الشعب الجمهوري
ووجّه الرئيس التركي انتقادات حادة إلى حزب الشعب الجمهوري، متهماً إياه بتحويل المنافسة السياسية إلى حالة من الخصومة والانقسام داخل المجتمع.
وقال إن الحزب المعارض اعتمد، على حد وصفه، خطاباً قائماً على الاستقطاب وإثارة الخلافات، بدلاً من تقديم حلول للقضايا الوطنية، مشيراً إلى أن آخر الأمثلة على ذلك كانت حملته الانتخابية التي استهدفت اللاجئين السوريين خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ورأى أردوغان أن استغلال ملف اللاجئين لأغراض سياسية ساهم في زيادة حدة الانقسام داخل المجتمع، داعياً إلى تبني خطاب أكثر مسؤولية يحافظ على التماسك الوطني.
محاولة الانقلاب وتنظيم غولن
كما استعاد أردوغان أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، مؤكداً أن تنظيم "غولن" لم يكن يستهدف الحكومة وحدها، وإنما سعى إلى ضرب الدولة التركية ومؤسساتها واستقرارها.
وأضاف أن عمليات تطهير مؤسسات الدولة من عناصر التنظيم جاءت لحماية مستقبل تركيا وليس لتحقيق مكاسب سياسية، معتبراً أن تلك الإجراءات كانت ضرورية للحفاظ على الأمن القومي ومنع تكرار مثل هذه المحاولات.
"تركيا بلا إرهاب"
وفي الملف الأمني، أكد الرئيس التركي أن مشروع "تركيا بلا إرهاب" يمثل أحد أهم أهداف الدولة خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن تنظيم "بي كي كي" الإرهابي، على مدار ما يقرب من أربعة عقود، لم يميز بين المواطنين الأتراك على أساس العرق أو الانتماء، بل استهدف الجميع وألحق أضراراً كبيرة بالدولة والمجتمع.
وأشار إلى أن القضاء على الإرهاب لا يخدم الحكومة أو حزباً بعينه، وإنما يحقق مصلحة جميع المواطنين ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
وأكد أن حكومته تعمل على استكمال الخطوات التشريعية والقانونية اللازمة لتسريع عملية تفكيك التنظيم، في إطار المبادرة التي أعلن عنها سابقاً تحت عنوان "تركيا بلا إرهاب"، والتي تهدف إلى إنهاء التهديدات الأمنية وتعزيز الاستقرار الداخلي.
التنمية إلى جانب الأمن
واختتم أردوغان كلمته بالتأكيد على أن الحكومة لا تركز فقط على الملفات الأمنية، بل تواصل تنفيذ مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، بما يشمل إنشاء الطرق والجسور والأنفاق ومشروعات الإسكان، إلى جانب تطوير الصناعات الدفاعية، وتحسين قطاعات التعليم والصحة والطاقة.
وأكد أن هذه المشروعات لا تستهدف فئة أو منطقة بعينها، وإنما تأتي في إطار رؤية شاملة لتعزيز قوة الدولة التركية وتحقيق التنمية المستدامة لجميع المواطنين، مشدداً على أن وحدة الشعب والقضاء على الإرهاب واستمرار مسيرة التنمية تمثل ركائز أساسية لضمان مستقبل تركيا.

