كتب العالم والباحث الأكاديمي في وكالة ناسا الدكتور عصام حجي شهادة مطولة في حق الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي، قدم فيها قراءة إنسانية وعلمية لمسيرته، بعيدا عن الضجيج السياسي وحملات التشويه التي لاحقته منذ عزله في 3 يوليو 2013.

 

وقال حجي إن ما يكتبه ليس رثاء ولا نعيًا، بل حقيقة مجردة عن محمد مرسي الأكاديمي والإنسان، مؤكدا أنه يكتبها إنصافا لرجل شوه الجهل صورته، وسجن الظالمون أسرته، وتخلى عنه كثيرون ممن كان الأولى بهم الدفاع عن الحق.

 

ورأى حجي أن موقف بعض العلماء الذين تعففوا عن مناصرة الحقيقة في لحظة فاصلة يعكس أزمة أعمق في معنى العلم نفسه، متسائلا عن قيمة علم لا يحارب الجهل ولا ينصف مظلوما ولا يدافع عن الحقيقة.

 

مسارات مشتركة من لوس أنجلوس إلى الاتحادية

 

استعاد حجي في شهادته تقاطعات عديدة جمعته بمرسي دون حوار مباشر، موضحا أن كليهما عاش في مدينة لوس أنجلوس، وارتبط بجامعة ساوثرن كاليفورنيا، وتقاطعت مسيرتهما مع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.

 

وأشار إلى أن مرسي درس في جامعة ساوثرن كاليفورنيا، الجامعة نفسها التي يعمل بها حجي حاليا، كما شارك في مشروعات مرتبطة بوكالة ناسا، التي ينتسب إليها حجي منذ عام 2003.

 

وأضاف أن التقاطع امتد إلى قصر الاتحادية نفسه، فقد كان مرسي رئيسا للجمهورية، ثم شغل حجي لاحقا مكتب فريقه الاستشاري في القصر بعد عزل مرسي، في مفارقة اعتبرها كاشفة لمصائر متداخلة.

 

وأوضح حجي أن هذه المسارات المشتركة تمنحه قدرة على تقديم نظرة واقعية لشخصية مرسي، بعيدا عن الخصومة السياسية أو الانحياز الحزبي، واصفا إياه بأنه شخصية مستنيرة كانت قادرة على إحداث طفرة في مصير مصر.

 

مرسي الأكاديمي الذي سبق السياسي

 

أكد حجي أن محمد مرسي لم يكن فقط أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، بل كان أيضا الرئيس الأفضل تعليما وعلما بين من سبقوه، وأن تكوينه الأكاديمي ظهر في سلوكه ولغته وطريقة إدارته.

 

وأوضح أن مرسي كان دقيقا في وصف الأرقام، واثقا في خطواته، واضحا في كلامه، حاضر البديهة في حواراته، متواضعا في سلوكه، معترفا بأخطائه، ومستشيرا لأصحاب الخبرات في محاولة إصلاحها.

 

ولفت حجي إلى أن أولى قرارات مرسي بعد وصوله إلى قصر الاتحادية شملت رفع أجور أعضاء هيئة التدريس، ورفع ميزانية الجامعات، وتشكيل لجنة للنهوض بالبحث العلمي، وبدء منظومة للاستعانة بالعلماء المصريين في الخارج.

 

ورأى أن مرسي كان يمتلك قدرة على التطور والتحسن بفضل تعليمه القوي وحياته داخل وسط أكاديمي متعدد الأعراق في الولايات المتحدة، وهو ما جعله مختلفا عمن سبقوه ومن جاءوا بعده.

 

جامعة مرموقة وعودة نادرة إلى الوطن

 

توقف حجي عند دراسة مرسي في كلية الهندسة بجامعة ساوثرن كاليفورنيا، مشيرا إلى أنها جامعة عريقة ومرموقة، وتخصص فيها مرسي في علم الفلزات، وهو مجال له تطبيقات مهمة في علوم الفضاء.

 

وأشار إلى أن الكلية نفسها ارتبطت بأسماء بارزة، من بينها نيل أرمسترونغ أول رائد فضاء، كما تخرج في الجامعة شخصيات قيادية وثقافية عالمية، بينها مصطفى العقاد مخرج فيلم الرسالة.

 

وأوضح أن الجامعة معروفة بانتقاء العقول المبدعة والشخصيات القيادية غير التقليدية، وبالتشدد في قيم التسامح الديني والعرقي، ما يجعل الاتهامات السهلة بالتعصب ضد مرسي بحاجة إلى مراجعة جادة.

 

وأضاف أن مرسي حصل على الدكتوراه عام 1982، ثم عمل أستاذا مساعدا بجامعة ولاية كاليفورنيا في نورثريدج، وكان بإمكانه مواصلة نجاحه الأكاديمي في الولايات المتحدة، لكنه اختار العودة إلى مصر عام 1986.

 

واعتبر حجي أن عودة مرسي إلى جامعة الزقازيق تكشف انتماءه إلى فئة نادرة من الباحثين العائدين إلى أوطانهم بعد الدراسة بالخارج، وهي فئة لا تتجاوز، بحسب تقديره، نسبة محدودة ممن يسافرون للتعلم في الغرب.

 

العلم عند مرسي مقاومة للجهل

 

طرح حجي سؤالا حول معنى أن يكون مرسي عالما، مؤكدا أن المعرفة لا تنحصر في اكتشاف أسرار الكون فقط، بل تشمل أيضا محاربة الجهل وجعل الحقائق أساسا لصنع القرار العام.

 

وقال إن نصيب مرسي في إنتاج المعرفة ربما توقف مبكرا بسبب انخراطه في العمل العام، لكن نصيبه في مقاومة الجهل ظل حاضرا طوال حياته، لأنه ظل يدافع عن المعرفة والحقائق في إدارة الدولة.

 

واستشهد حجي بوصف العالم الراحل الدكتور أحمد زويل لمرسي بأنه عالم، مؤكدا أن زويل لم يكن ليطلق هذا الوصف مجاملة، لأنه كان يزن كلماته العلمية أمام الرأي العام العالمي بدقة.

 

وبحسب شهادة حجي، فإن قيمة مرسي العلمية لم تكن في لقبه الأكاديمي وحده، بل في إيمانه بأن التعليم والبحث العلمي والمعرفة أدوات أساسية لتغيير مصر، لا مجرد ملفات هامشية داخل السلطة.

 

مشهد نيويورك ونفي تهمة التعصب

 

انتقل حجي إلى تفنيد الاتهامات التي لاحقت مرسي بالتعصب الديني، مؤكدا أن هذه الاتهامات استندت إلى انتمائه الفكري وبساطة مظهره ولحيته وفطرة سلوكه، أكثر مما استندت إلى تجربة حقيقية معه.

 

وروى حجي أنه حضر لقاء مرسي بالجالية المصرية في نيويورك خلال أول زيارة له للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2012، في قاعة مفتوحة بأحد فنادق تايم سكوير، حضرها نحو 200 مصري.

 

وقال إن سيدة قبطية شكت بقوة أمام مرسي ما يتعرض له الأقباط من تمييز وعنف في الشارع المصري، فحاول بعض الحضور مقاطعتها، لكن مرسي أمرهم بالصمت حتى تستكمل حديثها بحرية.

 

وأضاف أن السيدة لم تقتنع بإجابته وظلت تصرخ ضده، فتوجه إليها الأمن طالبا منها الجلوس برفق، وبعد انتهاء الجلسة اتجه مرسي إليها أثناء خروجه، وقبل رأسها وفتح لها الطريق للخروج قبله.

 

وأكد حجي أنه كان يقف على بعد أمتار من المشهد، ورأى كيف لم يشتد وجه مرسي إلا عندما حاول أحد مرافقيه الرد على السيدة بشكل غير لائق، فنهَره ومنعه من الإساءة إليها.

 

تسامح عاشه لا شعارات رفعها

 

اعتبر حجي أن احترام مرسي لاختلاف الأديان كان صادقا ونابعا من تجربة ناضجة في الولايات المتحدة، حيث عاش سنوات طويلة طالبا وأستاذا في ولاية كاليفورنيا، وهي من أكثر الولايات انفتاحا وتنوعا.

 

وقال إن مرسي لو ثبتت عليه آثار تعصب أو عداء للأديان، لما أتم دراسته أو عُين عضوا في هيئة تدريس بجامعات كاليفورنيا، التي تتشدد في قضايا العنصرية والكراهية الدينية.

 

ورأى أن تسامح مرسي لم يكن مغازلة للغرب أو خطابا سياسيا للاستهلاك، بل نتاج تجربة حقيقية في التعايش مع ثقافات مختلفة، على عكس من يدعون التسامح ولا يقبلون حتى الاختلاف في الرأي.

 

وختم حجي شهادته بالتأكيد أن مرسي كان رئيسا داعما للعلم ومات محاربا للجهل، وأنه حاول بناء دولة أخلاق تنقل مصر من الظلم والجهل إلى العلم والعدل، رغم ما تعرضت له تجربته من تشويه وإجهاض.