كشف خبراء وباحثون في ملف التعليم العالي بمصر عن أزمة ممتدة داخل الجامعات الحكومية، حيث أدى تآكل الاستقلال وضعف الرقابة وتوسع البرامج المدفوعة إلى تحويل الحرم الجامعي من مساحة معرفة إلى شبكة مصالح.

 

فيما لم تعد الأزمة تعليمية فقط، بل سياسية وإنسانية أيضاً، لأن الجامعة التي تُقمع فيها الحرية ويُكافأ فيها الولاء وتُباع فيها الفرصة، تصبح مصنعاً لإعادة إنتاج الخوف والطبقية لا بناء الإنسان.

 

وبالتالي فإن الحديث عن المستقبل دون تشريح الفساد ليس مبادرة، بل تبرئة ناعمة للواقع، فالأستاذ الجامعي لا يستطيع إصلاح المجتمع إذا كان محاصراً بالفقر، والطالب لا يثق بالعدالة إذا رأى المعرفة تُباع.

 

كما أن خطاب التجميل الأكاديمي الذي يهاجم النقد باسم الإيجابية يتجاهل حقيقة قاسية، وهي أن المشكلات معروفة وحلولها مطروحة، لكن السلطة لا تنقصها الأفكار بل تنقصها الإرادة السياسية والرقابة المستقلة.

 

ومن ثم يصبح السؤال الحقيقي ليس أين المشاريع، بل لماذا تُدفن المقترحات الجادة داخل أدراج الوزارة، بينما تواصل الجامعات إنتاج نفس الوجوه واللوائح والممارسات التي صنعت الأزمة ووسعت فجوة الثقة.

 

 

فقر الأستاذ وباب الفساد الصغير

 

غير أن البداية الأخطر تكمن في الانكشاف المعيشي للأستاذ الجامعي، إذ تطلب الدولة منه أن يكون رمزاً للمعرفة والوقار، بينما تتركه عاجزاً أمام التضخم واحتياجات أسرته ومتطلبات البحث والتعليم.

 

لذلك تحولت بعض الممارسات الصغيرة إلى أبواب فساد ثابتة، فالكتاب الجامعي لم يعد دائماً أداة معرفة، بل صار في حالات كثيرة وسيلة ضغط وجباية تجعل الطالب يدفع ثمناً غير معلن للنجاة.

 

وعلاوة على ذلك تغض الإدارات الطرف عن هذه الآليات لأنها تعوض ضعف الأجور دون أن تتحمل الدولة كلفة الإصلاح، فيتحول الصمت الرسمي إلى شراكة غير مباشرة في إفساد العلاقة بين الأستاذ والطالب.

 

بناءً على ذلك لا يكفي تجريم بيع المذكرات أو إدانة الدروس المقنعة، بل يجب رفع الأجور وربطها بالتفرغ الأكاديمي الحقيقي، مع منصة جامعية موحدة توفر المواد العلمية دون ابتزاز أو احتكار.

 

كما شدد الباحث إلياس صليبا في دراساته عن الحرية الأكاديمية بمصر على أن تراجع الاستقلال بعد 2013 أضر ببيئة البحث، ودفع أساتذة وباحثين إلى الرقابة الذاتية والخوف من الموضوعات الحساسة.

 

ومن جهة أخرى، فإن الفصل بين التدريس والتقويم أصبح ضرورة لا ترفاً، لأن الأستاذ الذي يدرس ويبيع ويصحح ويسيطر على مصير الطالب، يمتلك سلطة واسعة تفتح الباب للضغط والتمييز والانتقام.

 

 

توريث المقاعد وقتل المنافسة

 

في المقابل، لا يقف الفساد عند المال والكتاب الجامعي، بل يمتد إلى آليات التعيين والترقي، حيث تتحول بعض الأقسام إلى عائلات أكاديمية مغلقة تعيد إنتاج نفسها وتحرس نفوذها جيلاً بعد جيل.

 

ثم إن نظام التكليف الداخلي للمعيدين، رغم مظهره القانوني، يفتح مسارات خلفية للمحاباة، لأن السيطرة على الدرجات والشفوي والتوصيات تجعل المقاعد الأكاديمية أقرب إلى الغنيمة منها إلى المسابقة العادلة.

 

ولزيادة خطورة المشهد، يصبح الطالب المتفوق من خارج شبكات النفوذ مجرد رقم قابل للإقصاء، بينما يجد أبناء الأساتذة والمحاسيب طريقاً أسهل نحو المعيدية والدراسات العليا والترقي داخل نفس الدائرة.

 

وقد أوضح الباحث هوجو هورتا في دراساته عن التوظيف الداخلي الأكاديمي أن ضعف الحركة بين الجامعات يضيق تبادل المعرفة ويؤثر سلباً في الإنتاج العلمي، بما يجعل الانغلاق خطراً مؤسسياً لا مشكلة فردية.

 

لذلك يحتاج الإصلاح إلى إلغاء التكليف المغلق، واعتماد إعلان تنافسي وطني لكل وظائف المعيدين والمدرسين المساعدين، مع لجان مستقلة لا تضم أساتذة من الجامعة صاحبة الوظيفة منعاً لتضارب المصالح.

 

كذلك يجب منع تعيين الأقارب حتى الدرجة 4 داخل نفس القسم، أو نقلهم إلى جامعة أخرى عند التفوق الحقيقي، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان النوايا بل بضرب جذور الشبهة.

 

ومن ثم تصبح الترقية العلمية نفسها بحاجة إلى تحكيم أعمى ورقمي وخارجي، حتى لا تتحول لجان الترقيات إلى بوابات ولاء، تمنح الطريق لمن يهادن وتعاقب من ينتج معرفة نقدية مستقلة.

 

 

خصخصة مقنعة وسلطة بلا مساءلة

 

أما الوجه الثالث للأزمة فيتمثل في تسليع المعرفة داخل الجامعات الحكومية، حيث توسعت البرامج الخاصة والساعات المدفوعة والشعب الأجنبية، حتى أصبح الحرم الواحد مقسوماً بين طالب يدفع وطالب ينتظر الفتات.

 

بينما يفترض أن تكون الجامعة العامة مساحة للعدالة الاجتماعية، صنعت البرامج المدفوعة تمييزاً طبقياً صارخاً، فقاعات مكيفة وخدمات أفضل لمن يملك المال، وقاعات مزدحمة ومتهالكة لمن لا يملك إلا الاجتهاد.

 

وبحسب تحليل منشور في حلول للسياسات البديلة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، فإن تسليع التعليم الجامعي يهدد المجانية ويعمق عدم المساواة، خصوصاً مع تراجع مخصصات التعليم وتوسع الاعتماد على موارد الطلاب.

 

لذلك فإن فصل إيرادات البرامج الخاصة عن مكافآت القيادات ضرورة عاجلة، لأن ربط دخل المسؤولين باستمرار الطالب الدافع يخلق تضارب مصالح يهدد التقييم ويضعف الصرامة الأكاديمية ويهبط بقيمة الشهادة.

 

وفوق ذلك، لا يمكن إصلاح الجامعة بينما يبقى القرار الأكاديمي خاضعاً للسلطة التنفيذية والتقارير الأمنية، فالجامعة التي لا تختار قياداتها بحرية ولا تحمي باحثيها لا تستطيع إنتاج معرفة حرة.

 

وقد كتب الأكاديمي أحمد عبد ربه عن تعديلات قانون الجامعات بوصفها اعتداء على مبادئ الاستقلال الجامعي، وهو ما يعزز فكرة أن الأزمة ليست إدارية فقط، بل تتعلق ببنية حكم الجامعة نفسها.

 

بناءً على ما سبق، يجب تقليص دور الوزير إلى التنسيق والميزانية، وإعادة انتخاب القيادات الجامعية من القاعدة إلى القمة، وتحرير المجلس الأعلى للجامعات من التبعية التنفيذية وجعله هيئة تنسيق مستقلة.

 

كذلك يجب إنهاء أي تدخل أمني في التعيين والترقية والسفر والبحث، واستبدال ذلك بميثاق ملزم للحريات الأكاديمية، يحمي الأستاذ والباحث من العقاب بسبب رأيه أو موضوعه العلمي أو نقده للسياسات العامة.

 

وعليه فإن إنشاء مجلس مظالم أكاديمي مستقل بات شرطاً لحماية صغار الباحثين من التعنت، على أن يضم قضاة وأساتذة مشهوداً لهم بالنزاهة، وتكون قراراته ملزمة خلال 30 يوماً.

 

في النهاية، لا تحتاج الجامعات المصرية إلى خطابات وردية عن المستقبل، بل إلى كسر شبكات الفقر والمحسوبية والبيع المقنع للمعرفة، لأن الجامعة التي تُدار بالخوف والولاء لا تخرج علماء بل موظفين مطيعين.