في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة وما رافقها من تحولات ميدانية وأمنية وسياسية معقدة، تتزايد داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية قناعة مفادها أن مستقبل القطاع لم يعد مرتبطًا بإمكانية تجاوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بل بمدى الاعتراف بأنها أصبحت طرفًا رئيسيًا في معادلة لا يمكن تجاهلها عند التفكير في أي ترتيبات مستقبلية.

 

وتستند هذه الرؤية، وفق ما أورده موقع "والا" الإسرائيلي نقلًا عن تقديرات المؤسسة الأمنية، إلى جملة من المؤشرات الميدانية التي ترى أنها تعكس استمرار نفوذ حركة حماس داخل قطاع غزة.

 

وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن غياب أي حراك شعبي فلسطيني واسع ضد الحركة، رغم الظروف الإنسانية والمعيشية القاسية التي يعيشها سكان القطاع، يُعد مؤشرًا على استمرار استقرار سيطرة حماس على الأوضاع الداخلية.

 

وأشار موقع "والا" إلى أن الدعوات التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم مظاهرات احتجاجية على الأوضاع في قطاع غزة، أول أمس الجمعة، لم تلقَ استجابة تُذكر، إذ لم تُسجل أي تحركات جماهيرية واسعة في الشارع.

 

وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن غياب تلك الاحتجاجات لا يُعزى فقط إلى الظروف الأمنية، وإنما أيضًا إلى ما تصفه بـ"قدرة حماس على فرض سيطرة ميدانية عبر انتشار عناصرها المسلحة في الشوارع والمفترقات، بما يخلق بيئة رادعة تحدّ من أي تحرك احتجاجي واسع".

 

تقديرات إسرائيلية: تجاوز حماس ليس خيارًا عمليًا

 

هذا الواقع، بحسب توصيف دوائر أمنية إسرائيلية، يعزز الاعتقاد بأن حركة حماس استعادت مستوى مرتفعًا من السيطرة التنظيمية بعد الحرب، ونجحت في إعادة بناء أدوات الحكم والإدارة رغم حجم الدمار الذي تعرض له القطاع.

 

وتذهب هذه القراءة إلى اعتبار أن أي خطة دولية أو إقليمية تستهدف إدارة قطاع غزة دون مشاركة حماس تبدو، وفق التعبير المتداول داخل تلك الأوساط، "غير واقعية".

 

ونقل موقع "والا" أن هذه القناعة تتشكل "رغم محاولات جماعات مسلحة تحدي هذا الواقع عبر هجمات دقيقة، إضافة إلى العمليات البرية والجوية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي"، مضيفًا: "اليوم تأكدت الأدلة القاطعة على أن مليوني فلسطيني خارج السياج لا يعارضون حكم حماس".

 

ووفق الموقع، فإن هذه الرسالة موجهة إلى حكومة التكنوقراط والجهات الأمريكية التي تعمل على إعادة تشكيل الواقع في قطاع غزة من خلال إنشاء مناطق خالية من نشاط حماس، ومفادها أن "جميع هذه الخطط يمكن وضعها في الأدراج، لأنه ما دامت حماس في السلطة فلا توجد فرصة حقيقية لإحداث تغيير".

 

كما تشير تحليلات إسرائيلية إلى أن هذا الاستنتاج يرتبط بقراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين المجتمع الغزي والحركة.

 

وفي هذا السياق، طرح المحلل العسكري رون بن يشاي، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العام الماضي، رؤية تختلف عن الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي الذي يرفع شعار "إسقاط حماس".

 

ويرى بن يشاي أن الحركة ليست كيانًا مفروضًا من الخارج، بل تمثل امتدادًا لجزء واسع من البنية الاجتماعية والسياسية في قطاع غزة، وهو ما يجعل الفصل بين الحركة والمجتمع أكثر تعقيدًا مما يصوره الخطاب السياسي، منتقدًا استمرار الحكومة الإسرائيلية في الترويج لمفهوم "النصر الكامل".

 

ومن خلال هذه السيناريوهات المتداخلة، تتبلور داخل إسرائيل قناعة غير محسومة بأن غزة بعد الحرب ليست ساحة سياسية فارغة يمكن إعادة تشكيلها بسهولة، وأن حماس، سواء بصفتها سلطة حكم مباشرة أو فاعلًا مؤثرًا من خلف المشهد، ما تزال عنصرًا أساسيًا في معادلة القطاع.

 

معضلة البديل وإعادة بناء القوة العسكرية

 

ويرى مراقبون إسرائيليون أن هذه المعادلة لا تزال مفتوحة على مزيد من التعقيد، أكثر من اقترابها من الحسم، إذ لم تعد الإشكالية الأساسية تتمثل في "إسقاط حماس"، بل في غياب بديل قادر على ملء الفراغ الذي قد ينشأ في حال غيابها، وهو ما يجعل أي تصور لإعادة هندسة الحكم في غزة دون الحركة أقرب إلى الطرح النظري منه إلى خطة قابلة للتطبيق.

 

وفي موازاة ذلك، حذر مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، بحسب هيئة البث الرسمية، رئيس الأركان إيال زامير من أن حركة حماس تواصل إعادة بناء قدراتها العسكرية استعدادًا لاحتمال استئناف القتال.

 

وأفادت المصادر بأن الحركة تعمل على إنتاج مئات العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات شهريًا، إلى جانب تجنيد عناصر جديدة، وتدريب وحدات نخبة، ومحاولة تهريب طائرات مسيرة ومعدات اتصالات، فضلًا عن إعادة تأهيل شبكة الأنفاق.

 

كما نقلت الهيئة عن مسؤولين قولهم إن "حماس قوية على الأرض"، وإنه لا توجد جهة تشكل تهديدًا حقيقيًا لسيطرتها الميدانية داخل القطاع، في وقت يوصي فيه الجيش باستئناف العمليات العسكرية، مقابل تحفظات أمريكية على هذا المسار.

 

أسئلة ما بعد الحرب ومستقبل إدارة غزة

 

من جانبه، يطرح الكاتب محمود سلطان، في مقال نشره على "الجزيرة نت"، تساؤلات حول الجهة التي ستتولى إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، والآليات التي يمكن من خلالها إدارة هذه المرحلة، في ظل مشهد يصفه بأنه شديد التعقيد والارتباك.

 

ويرى سلطان أن هذا السؤال يعكس، بصورة ضمنية، مخاوف من حدوث فراغ سياسي وإداري في حال غياب حركة حماس، التي تمتلك خبرة في إدارة الشؤون المدنية، فضلًا عن حضور جماهيري داخل القطاع وخارجه، رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي خلفتها الحرب.

 

كما يشير إلى غياب بدائل تحظى بقبول واسع، سواء السلطة الفلسطينية التي يصفها بأنها تعاني ضعفًا في المصداقية، أو خيار نشر قوات شرطة دولية متعددة الجنسيات، الذي يواجه بدوره رفضًا من الجانب الإسرائيلي.