"وبكره تشوفوا مصر"، قبل 13 عامًا من الآن، أو أقل، كان قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي يسوق الوعود والأمنيات إلى المصريين الذين دعموا انقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي، والذين صدقوه وعاشوا في أوهام إنجازاته التي أكلت الأخضر واليابس من موارد مصر. 

 

العام تلو العام، ولا شيء ينبئ بأن حال المصريين سيكون أفضل مما سبق، بل على العكس أصبحت الأوضاع تتجه من سيء لأسوأ، حتى وصلت الديون الخارجية إلى معدلات قياسية (أكثر من 160 مليار دولارر)، وبلغ التضخم مستويات لا مثيل لها خلال السنوات الأخيرة، وتآكلت قيمة العملة المحلية (الجنيه) حتى أصبح الدولار يعادل أكثر من 50 جنيهًا.

 

وإزاء ذلك، أصبح كثير من المصريين عاجزين عن الإيفاء بالاحتياجات المعيشية الأساسية، وباتوا يتكبدون عناء توفير لقمة العيش لهم ولأولادهم، بل إن هناك من عجز عن إيجاد مكان يسكن فيه، بعد أن أصبح لا طاقة له بتوفير الإيجار.

 
وأصيب رواد التواصل الاجتماعي في مصر مؤخرًا بحالة من الصدمة، على إثر تداول مقطع فيديو لمدرس يفترش الرصيف، في مركز أبو المطامير بالبحيرة، ولا يستطيع استئجار وحدة سكنية بسبب ضعف دخله، الأمر الذي يكشف إلى مدى بلغ البؤس المصريين في عهد الانقلاب، وكيف أن توفير المسكن الملائم، أصبح بالنسبة للبعض أمنية صعبة المنال، في ظل العجز عن توفير قيمة الإيجار. 

 

المواطن البالغ من العمر 52 عامًا، يعمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم، وحاصل على مؤهل من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ودبلومة تربوية، اضطر للإقامة في الشارع مرغمًا بعد أن عجز عن توفير قيمة إيجار الشقة (3 آلاف جنيه)، فضلاً عن أنه يعاني من مشكلات صحية في الساقين، والركبتين، والبطن.

 

وأضاف أنه يبحث عن سكن في مركز أبو المطامير، إلا أنه لم يتمكن من العثور على غرفة تناسب دخله، مشيرًا إلى أن أسعار الإيجارات تتراوح بين 2000 و3000 جنيه، بينما لا يستطيع تحمل أكثر من 500 إلى 700 جنيه.

 

وعلى إثر ذلك، توجه بمناشدة إلى قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، وأعضاء مجلس النواب، وجميع المسؤولين، للنظر إلى حالته، ومساعدة أصحاب الدخول المحدودة، مؤكدًا أن ضعف الرواتب أصبح يمثل أزمة حقيقية للعاملين في الجهات الحكومية، مطالبًا بالتدخل لتحسين أوضاعهم المعيشية.

 

 

رواتب أساتذة الجامعات

 

ويأتي ذلك في خضم شكاوى العاملين في الجهاز الرسمي للدولة من تدني الأجور، وهي الشكوى ذاتها التي امتدت إلى الأكاديميين بالجامعات المصريين، وأعضاء الهيئات القضائية. 

 

ودفع ذلك الكاتب الصحفي والبرلماني الموالي للأجهزة الأمنية، مصطفى بكري إلى إثارة قضية تدني أجور أساتذة الجامعات في الآونة الأخيرة مصرحًا بأن المدرس المساعد يتقاضى نحو 8 آلاف جنيه فقط، والأستاذ الجامعي يتراوح راتبه بين 12 إلى 13 ألف جنيه؛ في حين يبلغ الراتب الأساسي لعميد الكلية 15 ألف جنيه، بينما يقف الراتب الأساسي لرئيس الجامعة عند 17 ألف جنيه.

 

وأشار إلى أن قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، بهيكله الحالي، يفرض قيودًا صارمة تمنع الأستاذ الجامعي من العمل في أي جهة أخرى، مما يدفع بعضهم للتحايل بشتى الطرق للسفر للخارج لتأمين مستوى معيشي كريم، محذرًا من عزوف المعيدين الأوائل عن التعيين بالجامعات، وعجز الباحثين عن النشر الدولي في المجلات العلمية بسبب ارتفاع التكلفة التي تتراوح بين 1500 إلى 2000 دولار للبحث الواحد.

 

أما فيما يتعلق برواتب القضاة، فقد بلغ الأمر حد أن العام القضائي (2024- 2025) شهد موجة استقالات شملت ما بين 400 إلى 500 من القضاة وأعضاء النيابة العامة، وذلك لأسباب اقتصادية على رأسها "تدني الرواتب" على نحوٍ لا يليق بالمسؤوليات الملقاة على عاتق القضاة في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة.

 

استياء القضاة 

 

وتفجّرت الأزمة على مجموعات القضاة على موقع "فيسبوك"، التي تحوّلت إلى منصات للشكوى، وأحيانًا للسخرية من الوضع الاقتصادي المتدهور. 

 

وتمثلت أبرز شكاوى القضاة ووكلاء النيابة في تدني الامتيازات المالية، والعلاجية، وملاحقة التفتيش القضائي لهم باستمرار، والتهديد بالعزل، وفي العام الماضي، قامت إدارة التفتيش بوزارة العدل إحالة نحو 50 قاضيًا للتحقيق بعد حديثهم عن أزماتهم المالية.

 

وكتب أحد القضاة منشورًا بعنوان "مذبحة القضاة الثانية"، جاء فيه: "تلوكنا الألسُنُ همزًا ولمزًا باعتبارنا من أصحاب أعلى الرواتب في الدولة المصرية، ويشاع تقاضينا مئات آلاف الجنيهات مقابل الإشراف على عمليات الاقتراع المختلفة، ولم نسعَ للتكذيب أو بيان الحقيقة ترفّعًا، واستمراء لأن تكون نظرة الناس للقاضي أنه من الأثرياء، ولو على غير الحقيقة. صارت السيرة بين مَن يعلمون ومن لا يعلمون أنّ القضاة صاروا من ذوي الفاقة، وأن رواتبهم تدنّت حتى جاوزها دخل بعض العاملين من الفئات المتوسطة في بعض جهات الدولة، ولم يتورّع أناس عن أن ينادوا بتحسين أحوال القضاة المادية، منهم من حسنت نيته، ومنهم من تقوده شماتته".

 

وتابع: "يُذبح القضاء بيد كل من تخاذل عن نصرته رغم استطاعته، ومن نظر إلى القضاء تكأةً لتحقيق طموح في منصب زائل أو كرسي. يذبح القضاء بتكبد القضاة شظف العيش، وزرع الشك في صدورهم في مدى تحقق الاستقلال من دون تدخل ولا تغول من سلطة أخرى. يذبح القضاء بهجران صفوة القضاة وأعضاء النيابة العامة لصفوف السلطة القضائية بحثًا عن البقاء بين أقرانهم ماديًا واجتماعيًا، وهذا حقّهم لا ريب فيه".

 

ومع تصاعد الشكاوى من تردي الأوضاع المادية للقضاء، قرر مجلس القضاء الأعلى في مايو 2026 إعادة تفعيل قرار إغلاق المجموعات القضائية الإلكترونية (جروبات القضاة) على منصات التواصل الاجتماعي، لوقف الحديث عن ذلك بشكل علني.