منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، نزح ما يقرب من 1.5 مليون سوداني إلى مصر، وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. 

 

وبينما شكّلت النساء والأطفال النسبة الأكبر من الوافدين، وجدت آلاف اللاجئات أنفسهن أمام واقع اقتصادي قاسٍ، فرض عليهن البحث سريعًا عن أي مصدر للدخل، بعد أن فقدن وظائفهن ومدخراتهن.

 

وسلط تقرير نشره منتدى الإعلام السوداني الضوء على معاناة اللاجئات السودانيات في مصر، حيث تعملن في المصانع والمزارع والمنازل، لساعات طويلة مقابل أجور متدنية، غالبًا من دون عقود عمل أو حماية قانونية أو اجتماعية. 

 

وبينما كانت بعضهن يشغلن وظائف تعليمية وإدارية و يحملن مؤهلات جامعية، دفعتهن الحرب إلى قبول أعمال يدوية شاقة لا تتناسب مع خبراتهن السابقة.

 

لقمة العيش تنافس حق التعليم


لم تقتصر آثار الحرب على دفع النساء إلى ترك وظائفهن، بل امتدت إلى طالبات جامعيات وقاصرات اضطررن إلى دخول سوق العمل مبكرًا للمساهمة في إعالة أسرهن أو مواصلة تعليمهن.

 

وكشفت شهادات ثلاث طالبات سودانيات أن العمل في المصانع والمزارع لم يكن خيارًا مؤقتًا، بل أصبح جزءًا من حياتهن اليومية، يتقاسمن فيه ساعات العمل الطويلة مع محاولات الحفاظ على حقهن في الدراسة.

 

تقول (ن)، وهي طالبة عشرينية من جنوب دارفور، إنها بدأت العمل بعد وصول أسرتها إلى مدينة السادس من أكتوبر عام 2024، لأنها الابنة الكبرى، بينما يعاني والداها من مشكلات صحية، إضافة إلى إصابة شقيقاتها بفقر الدم. ومنذ ذلك الوقت تنقلت بين مصانع البلاستيك والكرتون والحديد والبطاطس، كما عملت في مزارع التوت.

 

وتوضح أن يوم العمل يمتد غالبًا إلى 12 ساعة مقابل أجر يومي يقارب 300 جنيه، إلا أن هذا الأجر لا يبقى ثابتًا، إذ ينخفض أحيانًا بصورة مفاجئة أو يتأخر صرفه لأسابيع. وتروي أنها تركت أكثر من مصنع بعد تخفيض أجورها تدريجيًا، بينما اضطرت في أوقات كثيرة إلى طلب سلف مالية لتغطية احتياجات أسرتها بسبب تأخر المستحقات.

 

وأشارت إلى أن ظروف العمل لم تكن أقل قسوة؛ ففترات الراحة قصيرة، ودورات المياه محدودة. وبعض الأعمال، مثل تنظيف الحديد الخام، كانت تتطلب التعامل مع أدوات ومواد حادة وساخنة. وعلى الرغم من ذلك، كانت تعود مساءً لتراجع دروسها، في محاولة للجمع بين العمل والدراسة.

 

أما (ر. ن. ص)، التي كانت تدرس طب الأسنان قبل اندلاع الحرب، فتقول إن النزوح إلى مصر أجبرها على استبدال قاعات الجامعة بمزارع الفراولة والعنب والخوخ. 

 

تبدأ يومها قبل الفجر للوصول إلى العمل في السادسة صباحًا، حيث تنقل خراطيم الري، أو تعمل في فرز آلاف شتلات الفراولة وفق نظام الإنتاج.

 

وتؤكد أن ما يزيد من مشقة العمل ليس الجهد البدني وحده، بل تعرضها المتكرر للتمييز والتنمر بسبب جنسيتها السودانية. وتروي أن بعض العمال كانوا يسخرون منها، ويتعمدون مضايقتها وسكب مياه الشرب على الأرض أو إخفاء طعامها، إضافة إلى مضايقتها أثناء ذهابها إلى دورة المياه، ما دفعها إلى ترك أكثر من فرصة عمل.

 

كما تعرضت لإصابات متكررة أثناء استخدام مقصات التقليم الحادة في مزارع العنب، من دون أن تجد إسعافات أولية أو رعاية صحية، لكنها واصلت العمل حتى لا تخسر أجرها اليومي. وتقول إن جزءًا من دخلها يذهب إلى إعالة أسرتها، بينما تخصص الجزء الآخر لسداد رسوم دراستها الجامعية عن بُعد.

 

وأضافت: "أعمل لأعيش، وأعمل لأكمل دراستي، وأعمل لأحافظ على حلم العودة يومًا ما".

 

أما (غ. أ)، فلم تكن قد بلغت السادسة عشرة عندما دخلت سوق العمل. بعد نزوح أسرتها إلى مصر، وجدت نفسها تعمل في مزارع الفراولة والعنب بإحدى المدن الصناعية، بدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة.

 

وتروي أنها أصيبت بحساسية جلدية شديدة نتيجة التعرض للأسمدة الكيميائية، لكن إدارة المزرعة رفضت تحمل نفقات علاجها، وأبلغتها بأن أي عامل يتعرض لمرض لن يسمح له بالعودة إلى العمل. 

 

كما تعرضت لإساءة لفظية من أحد المشرفين، وكانت تعمل في مزرعة لا توفر سوى دورة مياه واحدة مشتركة بين الرجال والنساء.

 

وتقول إن العاملات الصغيرات كن مطالبات ببذل جهد أكبر بحجة أنهن أكثر قدرة على العمل، بينما كانت الزيادات في الأجور تذهب للعاملات الأكبر سنًا، في حين يذهب جزء كبير من دخلها المحدود إلى الرسوم الدراسية، حتى لا تنقطع تماماً عن التعليم.

 

وتلخص تجربتها بعبارة قصيرة تقول فيها: "أنا صغيرة، لكنني مضطرة للعمل".

 

الخدمة المنزلية

 

بعيدًا عن خطوط الإنتاج وحقول الزراعة، لم يكن العمل داخل المنازل أكثر أماناً للاجئات السودانيات، بل كشف عن شكل آخر من الهشاشة، تغيب فيه الرقابة، وتبقى العاملة وحدها في مواجهة شروط يفرضها أصحاب العمل أو الوسطاء، من دون عقود مكتوبة أو ضمانات قانونية.

 

وتكشف شهادات اللاجئات اللاتي عملن في قطاع الخدمة المنزلية عن أنماط متشابهة من الانتهاكات، تبدأ بتغيير طبيعة المهام بعد بدء العمل، وتمر بتأخير صرف الرواتب والخصومات غير المبررة، ولا تنتهي عند فرض قيود على استخدام الهواتف أو حرية الحركة، في ظل اعتماد معظم فرص العمل على السماسرة أو العلاقات الشخصية.

 

وبعد أن فقدت حملها إثر حادث تعرضت له أثناء انتقالها إلى إحدى المزارع التي تعمل بها، لم تجد (أ. ع) بديلاً سوى العمل في الخدمة المنزلية عبر سمسارة مصرية وعدتها براتب شهري يبلغ 7500 جنيه لمدة ستة أشهر. لكن الواقع، بحسب روايتها، كان مختلفًا عما اتُفق عليه؛ فإلى جانب أعمال التنظيف، أُلزمت بالتسوق للأسرة وإخراج القمامة والقيام بمهام إضافية لم تكن جزءًا من الاتفاق، كما مُنعت من استخدام هاتفها المحمول أثناء ساعات العمل، وتأخر صرف راتبها أكثر من شهر، فضلاً عن اقتطاعات مالية لم تتلقَّ بشأنها أي تفسير. ومع تقدم الحمل وتزايد الأعباء البدنية، اضطرت إلى ترك العمل حفاظاً على صحتها.

 

وتروي (ر. م. ع)، خريجة المختبرات الطبية وحامل، تجربة مشابهة بعد عجزها عن إيجاد فرصة عمل في تخصصها. فقد عملت لدى إحدى الأسر المصرية مقابل 3500 جنيه شهريًا، تؤدي خلاله أعمال التنظيف ورعاية الأطفال من السابعة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، أربعة أو خمسة أيام أسبوعيًا. 

 

وتقول إن الراتب لم يكن يكفي لتغطية تكاليف المعيشة والمواصلات، بينما كانت تحصل على وجبة واحدة فقط، مع منعها من استخدام الهاتف أو مغادرة المنزل قبل الانتهاء من جميع المهام. ومع تدهور حالتها الصحية خلال الحمل وانخفاض ضغط الدم، لم تعد قادرة على الاستمرار في العمل.

 

أما (أ. م. ف)، وهي أم لخمسة أطفال، فتوضح أن العمل المنزلي لم يوفر لها الاستقرار الذي كانت تأمله. فقد تنقلت بين تنظيف المنازل والشقق السكنية الخالية من السكان بنظام "المقاولة"، عبر وسطاء يحصلون على جزء من الأجر. 

 

وعلى الرغم من ساعات العمل الطويلة، ظل الدخل متقطعًا وغير كافٍ لتغطية احتياجات الأسرة، ما اضطرها إلى تشغيل أحد أبنائها في أحد المصانع للمساهمة في مصروفات الأسرة، بينما عجزت عن سداد الرسوم الدراسية لبقية أطفالها، الذين اضطر بعضهم إلى الاكتفاء بالدراسة المنزلية. 

 

تقول: "اتقاضى 150 جنيها في أعمال التنظيف في الجيزة في عمل غير مستقر .. واضطر أبنائي بالاكتفاء بالدراسة المنزلية والتقدم للامتحانات عبر المراكز التعليمية، بينما لم أتمكن من توفير رسوم امتحان أحدهم الذي كان يفترض أن يجلس للامتحانات".

 

وتلخص معاناتها بقولها إن العمل الذي لجأت إليه لتأمين تعليم أطفالها لم يكن كافياً في النهاية لضمان استمرارهم في الدراسة.

 

الإطار القانوني 


يوضح الخبير القانوني أشرف ميلاد أن الإطار القانوني المنظم لشؤون اللاجئين في مصر يعتمد على مزيج بين قانون اللجوء الجديد ولائحته التنفيذية والاتفاقيات الدولية، مشيراً إلى أن اللائحة تهدف إلى تنظيم التطبيق وليس إنشاء قواعد جديدة.

 

ويشير إلى أن من أبرز التطورات الإيجابية تمديد صلاحية بطاقة اللجوء، وإدراج اعتبارات المصلحة الفضلى للطفل، إلى جانب تنظيم إجراءات التظلم والعودة الطوعية وإعادة التوطين. 

 

في المقابل، يلفت إلى وجود تحديات تتعلق بتطبيق بعض النصوص، خاصة ما يرتبط بتجريم بعض أشكال المساعدة أو الاستضافة، وهو ما قد ينعكس سلباً على حماية اللاجئ في الواقع العملي. ويوضح أن اللاجئين في سوق العمل غالباً ما يعملون عبر وسطاء، دون عقود أو حماية قانونية فعلية، ما يضعهم خارج نطاق الحماية المؤسسية.

 

ويؤكد أن الفجوة الأساسية لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في آليات التطبيق والرقابة، إضافة إلى محدودية الوصول إلى العدالة في حال النزاع حول العمل أو الإقامة.

 

اللاجئون وسوق العمل في مصر


تشير البيانات العامة الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن اللاجئين في مصر، ومن بينهم السودانيون، يواجهون تحديات كبيرة في الاندماج الاقتصادي بسبب محدودية فرص العمل الرسمية.

 

وتوضح التقارير أن نسبة كبيرة من اللاجئين تعتمد على أعمال غير رسمية أو مؤقتة لتأمين احتياجاتها الأساسية، ما يعرضهم لمخاطر الاستغلال نتيجة غياب العقود أو الحماية الاجتماعية. 

 

كما تؤكد المفوضية أن النساء والأطفال يمثلون الفئة الأكثر هشاشة داخل مجتمع اللاجئين، بسبب اعتمادهم الأكبر على العمل غير الرسمي وضعف الوصول إلى الدعم القانوني والاجتماعي. 

 

وتشدد على أهمية تعزيز الحماية القانونية وتوسيع فرص العمل النظامي وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر تضررًا.

 

https://sudanmediaforum.org/en/women-workers-between-vulnerability-and-exploitation-sudanese-refugee-women-in-egypt-and-the-struggle-for-survival-part-1-of-2/