محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

لا تبدأ أخطر خطابات الدعاية بكذبة، بل بحقيقة، وربّما ببديهية. من هنا، لا نبدأ معها بالمقاومة، بل بالتسليم، ومن ثمّ نصبح جاهزين لإقناعنا بأيّ شيء، وتجنيدنا أيّ شيء. ولخطاب الثورة المضادّة بابان؛ عاطفي: مصر لا تحتمل ثورةً جديدةً، وأيّ اضطراب سيرتدّ على اقتصادها الهشّ خرابًا، وعقلي: ما حدث في "يناير" (2011) لن يتكرّر، فلا أحد ينزل في النهر مرَّتين، وقد تغيّرت مصر والمنطقة والعالم. والمقدّمتان صحيحتان. الاقتصاد هشّ فعلًا، والبركة في ديون "المونوريل" والعاصمة الإدارية وأكبر جامع وأكبر كنيسة وأكبر سارية علم وأكبر قصر رئاسي، كما أنّ "يناير" لن تعود بصورتها الأولى، وهذا بديهي. لكنّ اللعبة ليست في المقدّمات الصحيحة، بل في القفز منها إلى نتائج لا تترتّب عليها، من "لا يمكن تكرار يناير" إلى "لا يمكن التغيير"، ومن "الاقتصاد لا يحتمل هزّاتٍ" إلى "عليك أن تسكت وأن ترضخ وأن تصفّق". وبين المقدّمة الصحيحة والنتيجة الخاطئة، تسري الأكاذيب في دماء الحقيقة.

 

ولهذه الدماء تاريخ، فكما وظّفت الثورة المضادّة شباب يناير ضدّ ثورتهم، وظّفت كُتّابها ضدّ خطاباتها، ابتداءً من المفردات التي يبدأ من عندها الخيال، إلى المفاهيم والمعاني، صار الكلام عن الثورة وهمًا وخرافات ومخدّرات وسجنًا في الماضي وعجزًا عن تجاوزه وعن إدراك "الواقع"... يخرب بيت أمّ "الواقع"، هذه المفردة التي لا أهل لها يسألون عنها، خذ نفسًا ليس عميقًا، وقلْ: وراء كلّ "مصنع كراسي" إنّه "الواقع"، واستسلم لما يراد إثباته وتثبيته، أنّ سقف طموحات هذه الثورة أن تتحوّل إلى سطر في أضعف وثيقة سياسية في مصر: "الدستور"، أمّا الواقع فلا.

 

والواقع (بجدّ) أنّ كلّ سلطة استبدادية تخشى المستقبل. ومن ثمّ لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تصادر الخيال نفسه. وتدّعي من دون كلل أو ملل أنّ التاريخ انتهى، وأنّ البديل مستحيل، وأنّ المشكلة في الآخرين: الخصوم المتخيَّلون، أو المعارضون الخياليّون، وأنّ كلّ محاولة للخروج ليست إلا مراهقةً أو خيانةً. وهذا هو المطلوب: أن تُثبت السلطة استحالة التغيير، وأن تُثَبّته فينا، بأصواتنا، ومن ثمّ يصير اليأس "وجاهةً" لا جريمة.

 

هنا تبلغ السيطرة مداها. فالسجون الأبدية ليست التي يستحيل الهروب منها، بل التي يعجز سجناؤها عن تصوّر ما وراءها. فلا يحتاج السجّان أن يغلق الزنازين، ويكفيه أن يغلق المخيّلة. وهنا يأتي دور النُّخب الهشّة، لا الذين باعوا أقلامهم واشتغلوا بالتجريف والتحريف والتخريف، بل الذين قدّموا الاستسلام في ثوب الحكمة المتعالية. وأعادوا تعريف الكلمات والأفعال فصار العجز نضجًا، والسكوت مسؤوليةً، والإصرار على إمكانية التغيير مراهقةً. والسخرية من الخصم (لا من السلطة) ممارسةً نقديةً ووطنيةً (!).

 

ليس مطلوبًا من الكاتب أن يوزّع مواعيد الخلاص. فيدعو إلى ثورة بلا خطّة، أو يحرّض على انتفاضة قد لا يشارك في دفع أثمانها، المطلوب أقلّ وأخطر: أن يَحول دون مصادرة المستقبل، وأن يحفظ احتمالًا واحدًا بأن غير الكائن قد يكون ممكنًا. فالتاريخ لا يتحرّك وفق يقين خبراء اللحظة، بل وفق المفاجآت التي يعجزون عن تخيّلها. ولو قلت لأغلب المصريين، صباح 24 يناير 2011، إنّ حسني مبارك سيرحل بعد 18 يومًا، لقالوا إنّك متخلّف عقليًا، أو على أقلّ تقدير لا تعرف مصر جيّدًا، فـ"مصر ليست تونس".

 

الحقيقة الواقعية، كما وصفتها حنّة أرندت، موجودة بقدر حديثنا عنها. تعرف السلطة هذا بحكم خبراتها المتراكمة في السيطرة على الواقع، ومن ثمّ لا تكفّ عن تشويه وجه المفردات، وتوسيخ دلالاتها، وتفخيخ مآلاتها، وانتهاك أعمار أصحابها وأعراضهم، وكلّ مَن يُعلن الانحياز لهم، أو الفرحة بهم، أو الحزن عليهم. من هنا يمكنك أن تفهم لماذا تعاد محاكمة أحمد دومة من أجل مقال؟ ولماذا تعاد محاكمة سيّد مشاغب وجيرانه من أجل احتفال؟ ولماذا تحوّلت "يناير" وسيرتها ورموزها وأرشيفها إلى كوابيس سلطوية، ولماذا ينبغي لها أن تستمرّ أحلامًا شعبية مستحقَّة إلى أن تتحقّق؟