كشف جهاز حماية المستهلك في عدة محافظات ضبط لون صناعي يحتوي على التارترازين، بعد استخدامه في غش اللب والفول السوداني، مع تحرير العديد من المحاضر الرسمية.

 

وتفتح الواقعة ملفًا أشد خطورة من ضبطية واحدة، حيث يتحول غذاء المصريين إلى حقل تجارب رخيص، بينما يدفع المواطن ثمن الغلاء والغش معًا، في سوق تتقدم فيه الأرباح على الصحة.

 

ألوان صناعية على موائد الفقراء

 

في البداية، أعاد ضبط التارترازين في اللب والفول السوداني فتح سؤال الرقابة على الغذاء الشعبي، لأن هذه المنتجات تصل إلى الأطفال والبيوت والأسواق البسيطة دون قدرة المستهلك على كشف الخداع.

 

وبحسب بيانات الضبط، استخدمت الصبغة الصفراء في تلوين منتجات غير مقشورة، بما يخالف قواعد المواد المضافة للأغذية، ويجعل اللون وسيلة لإخفاء رداءة المنتج أو تضليل المشتري.

 

كما أن التارترازين، المعروف باللون الأصفر رقم 5، صبغة صناعية تستخدم في بعض الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل ضمن حدود آمنة، لكن الخطر يبدأ عند الاستخدام العشوائي والمخالف.

 

ومن ثم، لا تكمن المشكلة في المادة وحدها، بل في استخدامها خارج الضوابط، وفي منتجات شعبية واسعة الانتشار، دون إعلان واضح أو رقابة كافية أو التزام بحدود المسموح.

 

غير أن بعض الفئات قد تتأثر بهذه الصبغات أكثر من غيرها، خصوصًا الأطفال والأشخاص الحساسين، حيث ترتبط بعض التحذيرات بالحساسية الجلدية واحتمالات التأثير على النشاط والانتباه.

 

لذلك، تصبح واقعة بني سويف مؤشرًا على خلل ممتد في سوق الأغذية الرخيصة، حيث تلعب الألوان الصناعية دور قناع تجاري، يخفي الغش ويمنح المنتج مظهرًا كاذبًا.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور حسين منصور، رئيس هيئة سلامة الغذاء الأسبق، أن سلامة الغذاء لا تقوم على التفتيش المتأخر فقط، بل على تتبع سلسلة الإنتاج ومحاسبة المخالفين بصرامة.

 

بناءً على ذلك، فإن ضبط 660 كيلو جرامًا ليس نجاحًا كافيًا بذاته، بل إنذار بأن ما يصل إلى المستهلك قد يكون جزءًا من شبكة أوسع تحتاج تفتيشًا مستمرًا.

 

عصير القصب ومشروبات مغشوشة

 

في المقابل، أثارت واقعة ضبط مواد يشتبه في استخدامها بغش عصير القصب بثاني أكسيد التيتانيوم في القليوبية قلقًا واسعًا، لأنها تمس مشروبًا شعبيًا يرتبط بالاستهلاك اليومي والرخيص.

 

وعلى الرغم من استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم في بعض الصناعات بوصفه مادة مبيضة، فإن إضافته إلى مشروب شعبي لإكساب لون أبيض غير طبيعي يمثل غشًا صحيًا وتجاريًا خطيرًا.

 

كما أن هيئة سلامة الغذاء الأوروبية أعلنت عام 2021 أن ثاني أكسيد التيتانيوم لم يعد يعتبر آمنًا كمضاف غذائي، بسبب عدم استبعاد مخاوف تتعلق بالتأثيرات الجينية بعد الاستهلاك.

 

وبالتالي، يصبح استخدامه في عصير القصب مخالفة مضاعفة، لأنه يخدع المستهلك بصريًا، ويدخل مادة مثيرة للقلق إلى مشروب يفترض أنه طبيعي وطازج وخال من الإضافات الصناعية.

 

علاوة على ذلك، لا يمكن فصل غش العصائر عن ضعف الرقابة على المحال الصغيرة والعربات الشعبية، حيث تتسع المسافة بين القانون والشارع، ويتحول التفتيش إلى حملات متقطعة.

 

لكن الدكتور محمد الحوفي، أستاذ علوم الأغذية بجامعة عين شمس، يشدد في مواقفه المهنية على أن سلامة الغذاء تبدأ من مصدر المادة الخام، وتمر بالتخزين والتجهيز والنظافة والرقابة.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف هذه الوقائع أن المواطن لم يعد يعرف ما يأكله أو يشربه، إذ يمكن للون والرائحة والقوام أن تتحول إلى أدوات خداع، لا علامات جودة.

 

وبذلك، تتحول المواد المضافة من أدوات تصنيع مشروعة إلى وسيلة غش عندما تستخدم بلا تصريح أو جرعات أو إعلان، خصوصًا في سوق يطارد فيه الغلاء جيوب الفقراء.

 

غش يومي ورقابة غائبة

 

إلى جانب اللب والقصب، ينتشر غش البن بخلطه بالبسلة الجافة المحمصة والفول السوداني ونوى البلح، في حيلة تستغل ارتفاع أسعار البن المستورد، وتبيع للمستهلك مذاقًا مزيفًا بسعر حقيقي.

 

كذلك يستمر غش الشاي بنشارة الخشب المصبوغة أو تفل الشاي المعاد تدويره، وهي ممارسات تزيد وزن العبوات وتخفض التكلفة، لكنها تعرض الجهاز الهضمي لمواد لا تصلح للاستهلاك.

 

ومن هنا، يتسع ملف الغش إلى الأجبان والألبان، حيث تلجأ بعض مصانع بير السلم إلى بودرة السيراميك أو معجون طلاء الجدران لزيادة الوزن ومنح قوام ناعم كاذب.

 

لزيادة خطورة المشهد، تستخدم عجينة البطاطس والدقيق في غش الجبنة الرومي، مع زيوت نباتية مهدرجة وصبغات ونكهات صناعية، فتتحول الجبنة من غذاء بروتيني إلى خلطة نشوية ضارة.

 

وفي هذا الإطار، يحذر الدكتور مجدي نزيه، استشاري التثقيف والإعلام الغذائي، من أن الغش الغذائي لا يسرق المال فقط، بل يغير طبيعة الغذاء ويعرض الجسم لمواد مجهولة ومؤذية.

 

وعليه، فإن الأزمة لا تتعلق بغش منتج واحد، بل بسوق كامل يستغل الغلاء، وضعف الوعي، وغياب الفاتورة، وتشتت الرقابة بين جهات متعددة لا تتحرك بالسرعة نفسها.

 

وفي سياق متصل، تحتاج الدولة إلى رقابة استباقية لا موسمية، تشمل المصانع والمخازن والمحال والأسواق الشعبية، مع إعلان نتائج التحاليل بوضوح حتى يعرف المواطن أسماء المخالفين لا نوع المخالفة فقط.

 

ومن ثم، فإن العقوبة يجب ألا تقف عند تحرير محاضر والتحفظ على كميات مخالفة، بل تمتد إلى إغلاق المنشآت الخطرة، وملاحقة الموردين، وكشف شبكات الغش أمام الرأي العام.

 

لهذا، تصبح سلامة الغذاء قضية أمن صحي واجتماعي، لأن الفقير الذي يشتري الأرخص لا يجب أن يدفع صحته ثمنًا لجشع تاجر، أو عجز رقابة، أو صمت مسؤول.

 

وفي النهاية، لا تكشف وقائع التارترازين وثاني أكسيد التيتانيوم والبن والشاي والجبن عن غش تجاري فقط، بل عن اقتصاد ظل يطحن الفقراء حتى صار طعامهم نفسه موضع شك.