أعاد خبراء في الصحة وسلامة الغذاء التحذير من استخدام العبوات البلاستيكية في تجميد الأطعمة أو إعادة تسخينها، مؤكدين أن هذه الممارسة اليومية الشائعة قد تزيد من احتمالات انتقال جزيئات بلاستيكية دقيقة إلى الطعام، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن آثارها الصحية والبيئية على المدى الطويل.

 

ويعتمد ملايين الأشخاص حول العالم على العبوات البلاستيكية لحفظ بقايا الطعام داخل المجمد، سواء كانت لحومًا أو دواجن أو أطباقًا جاهزة مثل اللازانيا وغيرها من الوجبات المنزلية، نظرًا لخفة وزنها وسهولة استخدامها. إلا أن مختصين يرون أن هذا الخيار، رغم عمليته، قد لا يكون الأكثر أمانًا عند التعرض لدرجات حرارة منخفضة للغاية أو عند استخدامه لاحقًا في عمليات التسخين.

 

وأكد خبراء أن التحول إلى استخدام الأوعية الزجاجية أو المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ يمثل خطوة بسيطة لكنها قد تسهم في تقليل التعرض لما يعرف بـ"الميكروبلاستيك"، وهي جزيئات بلاستيكية دقيقة أصبحت محور اهتمام متزايد لدى الأوساط العلمية خلال السنوات الأخيرة.

 

لماذا يُنصح بالابتعاد عن البلاستيك أثناء التجميد؟

 

بحسب مختصين في موقع **Which** المتخصص في شؤون المستهلك، فإن العبوات الزجاجية والفولاذية المصممة خصيصًا لحفظ الأطعمة داخل الفريزر تتمتع بدرجة أعلى من المتانة والاستقرار مقارنة بالعبوات البلاستيكية.

 

وأوضح الخبراء أن البلاستيك يفقد جزءًا من مرونته مع انخفاض درجات الحرارة، ويصبح أكثر عرضة للتشقق أو التفتت على المستوى المجهري، ما قد يؤدي إلى انفصال جزيئات دقيقة للغاية تختلط بالطعام المخزن داخله.

 

وتزداد هذه الاحتمالات عند انتقال العبوة مباشرة من الفريزر إلى الميكروويف أو عند تكرار عمليات التسخين، حيث تساهم الحرارة في تسريع تحلل بعض أنواع البلاستيك، وهو ما قد يؤدي إلى إطلاق كميات أكبر من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.

 

هل يجب التوقف عن استخدام العبوات البلاستيكية نهائيًا؟

 

ورغم التحذيرات، يؤكد الخبراء أن الأمر لا يعني ضرورة التخلص من جميع العبوات البلاستيكية الموجودة في المنازل، إذ لا تزال هذه العبوات مناسبة في كثير من الاستخدامات اليومية، خصوصًا لحفظ الطعام داخل الثلاجة لفترات قصيرة.

 

لكنهم يشددون في المقابل على أن استخدامها في التجميد لفترات طويلة أو في التسخين المتكرر ليس الخيار الأمثل، خاصة مع توافر بدائل أكثر أمانًا مثل الزجاج والفولاذ المقاوم للصدأ، اللذين يتميزان بمقاومة أفضل للتغيرات الحرارية وعدم إطلاق جزيئات إلى الطعام.

 

ويرى المختصون أن اعتماد هذه البدائل يسهم في الحد من التعرض للميكروبلاستيك دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة في العادات اليومية.

 

ما هو الميكروبلاستيك؟

 

الميكروبلاستيك هو مصطلح يُطلق على الجزيئات البلاستيكية التي يقل حجمها عن خمسة ملليمترات، وتنشأ غالبًا نتيجة تحلل المنتجات البلاستيكية الأكبر حجمًا، مثل الزجاجات والأكياس وعبوات حفظ الطعام، بفعل الزمن أو الحرارة أو الاحتكاك.

 

وتشير الدراسات إلى أن هذه الجزيئات أصبحت موجودة في مختلف عناصر البيئة، بدءًا من الهواء والمياه والتربة، وصولًا إلى الأغذية والمشروبات، الأمر الذي جعل العلماء يركزون على دراسة مصادر التعرض اليومية لها.

 

ويؤكد الباحثون أن عمليات التجميد والتسخين المتكررة قد تُسرّع من تحلل البلاستيك، وهو ما يجعل طرق تخزين الطعام وإعداده من المصادر المحتملة لدخول هذه الجزيئات إلى جسم الإنسان.

 

قلق بيئي يتجاوز حدود المطابخ

 

لا تقتصر المخاوف المرتبطة بالميكروبلاستيك على صحة الإنسان فحسب، بل تمتد أيضًا إلى البيئة، إذ كشفت دراسات حديثة أن هذه الجزيئات تؤثر سلبًا في عدد من الكائنات البحرية والنباتات الدقيقة التي تلعب دورًا رئيسيًا في امتصاص الكربون من الغلاف الجوي.

 

ويرى الباحثون أن هذا التأثير قد ينعكس على ما يعرف بـ"الكربون الأزرق"، وهو النظام البيئي الذي تعتمد عليه المحيطات والسواحل في تخزين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ما قد يحد من قدرتها على المساهمة في مواجهة التغير المناخي.

 

الميكروبلاستيك داخل جسم الإنسان

 

وأظهرت أبحاث علمية خلال السنوات الأخيرة وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة في أجزاء مختلفة من جسم الإنسان، بينها الدم والرئتان والمشيمة، إضافة إلى العثور عليها في حليب الأم.

 

ورغم أن العلماء لم يحسموا بعد التأثيرات الصحية المباشرة لهذه الجزيئات، فإن استمرار اكتشافها داخل أنسجة الجسم أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط الطبية، ودفع إلى تكثيف الدراسات الهادفة إلى فهم آثارها بعيدة المدى.

 

مخاوف بشأن الدماغ والحاجز الواقي

 

وتشير **UK Health Security Agency** إلى أن أحد الجوانب التي تخضع للدراسة يتمثل في إمكانية اختراق الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر للحاجز الدموي الدماغي، وهو النظام الطبيعي المسؤول عن حماية الدماغ من السموم والمواد الضارة.

 

وبحسب الوكالة، فإن صغر حجم هذه الجزيئات قد يسمح لها بالمرور عبر بعض الخلايا الدفاعية أو الانتقال مع العناصر الغذائية التي تصل إلى الدماغ، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات علمية حول تأثيراتها المحتملة على الجهاز العصبي.

 

هل ترتبط بالأمراض العصبية؟

 

وتواصل الفرق البحثية دراسة العلاقة المحتملة بين تراكم الميكروبلاستيك وبعض الأمراض العصبية التنكسية، مثل ألزهايمر وباركنسون، خاصة أن هذه الأمراض ترتبط باضطرابات في الخلايا التي تحافظ على سلامة الحاجز الدموي الدماغي.

 

ورغم عدم وجود أدلة قاطعة حتى الآن تثبت وجود علاقة مباشرة، فإن العلماء يؤكدون أن استمرار الأبحاث في هذا المجال ضروري لفهم المخاطر المحتملة وتقييم تأثير التعرض المزمن للجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحة الإنسان.

 

نصائح لتخزين الطعام بأمان

 

يوصي خبراء سلامة الغذاء باتباع مجموعة من الإرشادات البسيطة لتقليل احتمالات التعرض للميكروبلاستيك، أبرزها استخدام العبوات الزجاجية أو الفولاذية المخصصة للتجميد، وتجنب نقل العبوات البلاستيكية مباشرة من الفريزر إلى الميكروويف، والحد من إعادة استخدام العبوات البلاستيكية القديمة أو المتشققة، إضافة إلى الالتزام بتعليمات الشركات المصنعة بشأن طرق الاستخدام المناسبة.

 

ويؤكد المختصون أن هذه الإجراءات الوقائية، رغم بساطتها، قد تساعد في تقليل التعرض للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، إلى حين توصل الأبحاث العلمية إلى فهم أكثر وضوحًا لتأثيراتها الصحية والبيئية على المدى الطويل.