أعاد بيان 3 يوليو في القاهرة، بعد 13 عاما، فتح ملف المشهد الذي قاده وزير الدفاع المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي، معلنا الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وتعطيل الدستور، لتنتهي أول تجربة رئاسية منتخبة بسلطة جديدة صنعت صورتها من وجوه متعددة.
في المقابل، لم يكن المشهد مجرد بيان عسكري، بل لحظة سياسية وإنسانية فارقة، استخدمت فيها السلطة وجوها دينية وسياسية وقضائية وشبابية وعسكرية، ثم تبدلت المصائر لاحقا بين الإقصاء والتقزيم والتدجين والبقاء في المنطقة الدافئة.
صورة الانقلاب ووجوه الشرعنة
بداية، وقف السيسي في تمام الساعة السادسة من ذلك اليوم، محاطا بنخبة منتقاة بعناية من أطياف الشعب المصري، ليعلن عزل محمد مرسي وتعطيل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، مع تولي رئيس المحكمة الدستورية إدارة المرحلة الانتقالية.
كذلك، حرص السيسي بمنطق استخباراتي وبراغماتي على توظيف مشهدية الصورة، فجعل خلفيته كوكتيل ممثل للشارع المصري، حتى لا يبدو منفردا بالمشهد، وحتى ينسجم القرار مع خطاب التشاور دون استبعاد أو إقصاء.
ومن ثم، ظهر بجانب السيسي شيخ الأزهر أحمد الطيب، والبابا تواضروس الثاني، ومحمد البرادعي، وجلال مرة ممثل حزب النور، وحامد عبد الله عن المؤسسة القضائية، ومحمود بدر ومحمد عبد العزيز عن تمرد، وقادة عسكريون بارزون.
غير أن الأسماء التي شاركت في إخراج المشهد، وما تمثله من أحزاب ومؤسسات وكيانات رسمية وغير رسمية، كانت تؤمل نفسها بأحلام وطموحات ومكاسب من خلال المشاركة في لحظة أطاحت بأول نظام رئاسي منتخب.
وبعد ذلك، تبدلت الصورة عاما بعد عام، بعدما حقق السيسي مراده ووظف المشهد لصالحه، فخرج بعض الشركاء من الساحة، وتقلص دور آخرين، بينما بقي آخرون داخل المنطقة الدافئة بعد دخولهم حظيرة التدجين.
كما أن السيسي احتاج إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب في مقدمة الصفوف، لأنه يمثل الحاضنة العقدية الأبرز التي تغلف الانقلاب بعباءة دينية لها قدسيتها لدى غالبية المصريين، رغم موقفه السابق من ثورة يناير.
ولذلك، أيد الطيب الانقلاب على مرسي باعتباره أخف الضررين وخروجا من المأزق السياسي بين مؤيد ومعارض، غير أن الدماء التي سالت أثناء فض رابعة دفعته لاحقا إلى إعلان أنه لم يكن يعلم بالقرار واعتكافه في بيته بالصعيد.
وبناء على ذلك، أثارت استفاقة الطيب المتأخرة حفيظة السيسي، لتدخل العلاقة بين الطرفين في معارك متعددة حاول الرئيس عبرها إضعاف نفوذ شيخ الأزهر، حتى بلغ الأمر مطالبات مؤيدين بإصدار تشريع يسمح بعزله.
في السياق نفسه، أشعل ملف تجديد الخطاب الديني الصراع بين السيسي والطيب، إذ دعا الرئيس إلى ثورة دينية وتنقية التراث، بينما تمسكت المؤسسة الدينية بقيادة شيخها بأن التجديد يكون من داخل المؤسسة لا بإملاءات سياسية.
المؤسسات الدينية والحزبية بين المكاسب والخذلان
في المقابل، لم تكن مشاركة البابا تواضروس الثاني في مشهدية الانقلاب مستغربة، في ظل قلق الأقباط من تولي الإسلاميين الحكم، وحملات الشيطنة والترهيب التي ربطت الإخوان وتيارات الإسلام السياسي باستهداف الأقليات الدينية.
وعليه، شارك تواضروس أملا في تبديد قلق الأقباط وبداية عهد ودستور جديد يمنحهم امتيازات ومكاسب، ويعالج شروخ علاقتهم مع الدولة بعد سنوات كان الأقباط خلالها ورقة في يد النظام السابق.
وبالفعل، شهد الأقباط خلال العشرية التالية تحسنا نسبيا في بعض المسارات، منها الخطاب الرسمي وزيارات السيسي للكاتدرائية، وقانون تنظيم بناء الكنائس عام 2016، وتقنين أوضاع آلاف الكنائس والمباني التابعة للطائفة.
لكن رغم ذلك، لم تتحقق الطموحات التي علقت على العهد الجديد، إذ ظل التمثيل الحقيقي في مواقع صنع القرار محدودا، وبقيت التوترات الطائفية في الصعيد قائمة، واستمرت القيود الأمنية على بناء الكنائس وترميمها في بعض القرى.
علاوة على ذلك، تسبب الدعم المطلق للكنيسة الأرثوذكسية للسيسي في حالة تململ لدى بعض الأقباط، ممن رأوا أن الكنيسة تتجاوز دورها الديني وتورط نفسها في استقطابات سياسية تبعدها عن هدفها الرئيسي.
أما حزب النور السلفي، فقد راوده أمل أن يحظى بمكانة الإخوان على خارطة السياسة بعد الإطاحة بمرسي، متوهما أن إزاحة الجماعة ستجعل منه البديل الإسلامي المقبول في مربع الحكم مستقبلا.
ثم إن السلفيين دخلوا قبل ذلك في صدامات متكررة مع الإخوان منذ تولي مرسي السلطة، وصلت إلى تبادل اتهامات قاسية، ولذلك كان استقطابهم للمشاركة في مشهدية الانقلاب سهلا ومتوقعا تحت عنوان حقن الدماء وإنقاذ مصر.
وفي انتخابات 2012، حصلت الكتلة الإسلامية السلفية على 123 مقعدا، بينها 107 لحزب النور، لكنها تراجعت في انتخابات 2015 إلى 11 مقعدا فقط، ثم واصلت الهبوط في انتخابات 2020 إلى 7 مقاعد.
وهكذا، بعدما أدى الحزب السلفي دوره في شرعنة النظام الجديد، بدأت الدولة تقلص مساحة تحركه تدريجيا، وضيقت الخناق على نشاطه السلفي والجمعيات الدعوية المرتبطة به، ليصبح وجوده السياسي رمزيا بلا تأثير فعلي.
ومن ناحية أخرى، وجد حزب النور نفسه معزولا عن كثير من قواعده التي شعرت بالخذلان بعد تخليه عن الصف الإسلامي في لحظة حرجة، واقتصر ظهوره لاحقا على الاستدعاء الرسمي في المناسبات الخاصة حين تطلب السلطة ذلك.
المدنيون والجنرالات وتمرد واليسار بعد انتهاء الحاجة
في المقابل، حضر التيار المدني ممثلا في محمد البرادعي وسكينة فؤاد بأحلام التشاركية المدنية وإنهاء الاستقطاب الإسلامي والانتقال إلى التعددية، غير أن هذه الأحلام اصطدمت سريعا بقبضة الجنرالات وعسكرة مجالات الحياة.
وبعد شهر ونصف فقط، استقال البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية عدلي منصور عقب فض رابعة والنهضة، مؤكدا أن الأمور سارت في اتجاه مخالف، وأن المصالحة ستأتي في النهاية بعد ثمن غال كان يمكن تجنبه.
ثم تعرض البرادعي بعد استقالته لحملة إعلامية ممنهجة شملت الاتهام بالعمالة والتخوين والمطالبة بسحب الجنسية، فغادر البلاد، ثم قال لاحقا إن ما حدث خالف ما تم الاتفاق عليه بشأن خروج كريم لمرسي ومصالحة وطنية وحل سلمي للاعتصامات.
أما سكينة فؤاد، التي كانت ضمن الفريق الاستشاري لمحمد مرسي ثم استقالت احتجاجا على الإعلان الدستوري، فقد شغلت بعد 3 يوليو منصب مستشار عدلي منصور لشؤون المرأة، قبل أن تختفي لاحقا عن الأضواء بصورة شبه كاملة.
وبذلك، وجد التيار المدني نفسه في مأزق عميق، فقد ظن أنه يتخلص من هيمنة الإسلاميين وينتقل إلى التشاركية، فإذا به داخل قبضة العسكر، محاصرا بالتضييق والكبت والحرمان من الحركة إلا بإذن وأمر.
في المسار العسكري، أطاح السيسي بجنرالات الجيش الذين شاركوا في اجتماع 3 يوليو، فغابوا عن المشهد بالكامل، وفي مقدمتهم صدقي صبحي وأسامة الجندي ويونس المصري، بعدما كانوا من وجوه شرعنة دولة الثالث من يوليو.
فقد أطيح بصدقي صبحي في 14 يونيو 2018 رغم قربه من السيسي، وجاءت الإقالة في صورة ترقية إلى منصب مستشار للرئيس، وهو منصب شرفي يحفظ ماء وجه المسؤول المطاح به أمام الرأي العام.
كذلك، أطيح بأسامة الجندي من قيادة القوات البحرية في أبريل 2015 ضمن تغييرات طالت قيادة المخابرات الحربية والقوات البحرية والجيش الثاني الميداني، ثم عين في منصب مستحدث هو نائب رئيس هيئة قناة السويس.
وفي المسار نفسه، شارك يونس المصري في لقاء الانقلاب، ثم أطيح به من منصبه في 2018، وعين وزيرا للطيران حتى 22 ديسمبر 2019، قبل أن يغيب بعدها عن الأضواء والساحة بشكل كامل.
أما رموز تمرد، فقد كانوا الأكثر استفادة من المشهد، إذ تحول محمود بدر إلى برلماني ورجل أعمال يمتلك مصنعا غذائيا ذا صلة بمؤسسات الدولة، بينما صار محمد عبد العزيز عضوا بالمجلس القومي لحقوق الإنسان ثم نائبا عن تنسيقية شباب الأحزاب.
وفي المقابل، كان حسن شاهين أقلهم حظا في توزيع مكافآت الثورة المضادة، إذ انضم إلى حملة حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية، وبعد خسارتها اختفى تماما عن المشهد، خلافا لبدر وعبد العزيز اللذين بقيا قريبين من السلطة.
أما التيار اليساري، فلم يكن مشاركا بشكل مباشر في الصورة، لكنه كان حاضرا بالهوية والدعم والتحشيد، حالما بنصيب من التورتة ومناصب ورد جميل، قبل أن يكتشف أن عين السيسي كانت على الكرسي وحده.
ولذلك، وجد حمدين صباحي ورفاقه أنفسهم خارج المشهد بعدما همشت الأحزاب والحركات اليسارية في التحالفات الانتخابية، وتعرضت الكيانات التي اشتبكت سياسيا أو حقوقيا أو اقتصاديا لضغوط أمنية واعتقالات وملاحقات قضائية.
وفي النهاية، لم يبق من صورة 3 يوليو إلا السيسي وحده، بعدما تخلص من شركائه أو دجنهم أو همشهم، ليصبح بيان الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب شاهدا على وعود منقوضة وصورة استخدمت أصحابها ثم أحرقتهم سياسيا.

