أعلنت شركة ريشيو بتروليوم الإسرائيلية، في لندن، اتفاقاً للاستحواذ على فاروس إنرجي البريطانية مقابل 124.3 مليون جنيه إسترليني، بما يفتح طريقاً خطيراً نحو أصول نفطية في مصر وفيتنام، والنتيجة انتقال ملف سيادي إلى نفوذ معاد.
وفي المقابل، لا تنفصل الصفقة عن حرب الإبادة في غزة، ولا عن غضب المصريين من التطبيع القسري، إذ تتحول الطاقة هنا من استثمار عابر للحدود إلى أداة اختراق سياسي وإنساني ضد بلد يدفع ثمن التبعية.
تفاصيل الصفقة وبوابة الاختراق
وبحسب البيانات المنشورة، تمنح الصفقة الشركة الإسرائيلية فرصة الوصول إلى أصول إنتاج قائمة، لا مجرد تراخيص ورقية، بينما ينتظر الاتفاق موافقات المساهمين والجهات التنظيمية في مصر وفيتنام قبل اكتماله المتوقع خلال النصف الأول من 2027.
كما أن فاروس إنرجي تمتلك حصة 45% في امتياز الفيوم، وحصة مماثلة في شمال بني سويف، بالشراكة مع آي بي آر ليك قارون، بما يجعل المسألة مرتبطة بحقول منتجة داخل نطاق اقتصادي مصري حساس.
لذلك، تبدو رواية السوق عن صفقة مالية عادية محاولة لتبريد قضية ساخنة، لأن انتقال السيطرة من شركة بريطانية إلى شركة إسرائيلية لا يمحو أن الثروة محل الجدل مصرية الموقع والتأثير والسيادة.
ومن ثم، فإن حصول ريشيو على دعم يقارب 42% من مساهمي فاروس ومساندة مجلس الإدارة لا يمنح الصفقة شرعية وطنية داخل مصر، لأن الشرعية هنا لا تقاس بموافقة المستثمرين بل بحماية المصالح العليا.
غير أن الخطر الأعمق يظهر في نية ريشيو دراسة بيع جزء من أصول فاروس المصرية لطرف ثالث، ما يفتح الباب أمام إعادة تدوير الملكية بعيداً عن رقابة شعبية حقيقية وبعيداً عن وضوح المالك النهائي.
علاوة على ذلك، جاءت الصفقة بعد تحسن موقف فاروس المالي واسترداد مستحقاتها المتأخرة لدى الحكومة المصرية، ما يعني أن المال العام المصري ساهم عملياً في تحسين جاذبية أصل قد ينتقل لاحقاً إلى شركة إسرائيلية.
وبينما تروج الشركات لفكرة الكفاءة والتوسع، فإن توقيت الصفقة وسط التوتر الإقليمي يفضح وجهاً آخر للخصخصة، حيث تتحول الأزمات المالية والديون إلى فرصة لتمرير نفوذ أجنبي داخل القطاعات السيادية.
السيادة المصرية تحت مقصلة الخصخصة
وبالتالي، لا يمكن عزل الصفقة عن برنامج بيع الأصول الذي فتح أبواب الاقتصاد المصري أمام مشترين عابرين للحدود، بينما بقيت أسئلة الأمن القومي والملكية اللاحقة والرقابة البرلمانية محاصرة بالصمت والتبرير.
كما أن قطاع الطاقة ليس عقاراً تجارياً ولا شركة خدمات هامشية، بل شريان للأمن الاقتصادي، وأي تساهل في انتقال حصصه المنتجة إلى طرف إسرائيلي يعني إدخال السياسة إلى غرف التشغيل والامتيازات.
لزيادة خطورة المشهد، يشير خبير جغرافيا الطاقة فرانشيسكو ساسي إلى أن اعتماد القاهرة المتزايد على الطاقة الإسرائيلية يجعل الترابط حساساً شعبياً، وقد يتحول لاحقاً إلى احتكاك سياسي داخل مصر.
بناءً على ذلك، فإن موافقة القاهرة المحتملة لن تكون إجراءً فنياً محايداً، بل قراراً سياسياً مكشوفاً أمام الرأي العام، لأن المصريين يرفضون التطبيع الشعبي ويرون الاحتلال خصماً لا شريكاً اقتصادياً عادياً.
وفي السياق ذاته، حذر أستاذ المحاسبة المالية أحمد تهامي من أن سيطرة طرف إسرائيلي على شركة طاقة عاملة داخل مصر تفتح الباب أمام وجود إداري وفني في مناطق شديدة الحساسية للأمن القومي.
ومن زاوية رقابية، نبه خبير مالي نقلت عنه صحف مصرية إلى أن سلامة الإجراء في بورصة لندن لا تلغي حساسيته، لأن المشكلة تبدأ عندما تحمل الشركة المستهدفة امتيازات إنتاج داخل دولة أخرى.
غير أن الحكومة المصرية مطالبة الآن بعدم الاختباء خلف العبارات القانونية، لأن الموافقات التنظيمية ليست ختم مرور، بل اختبار لقدرة الدولة على منع انتقال أصل استراتيجي إلى طرف منافس أو معاد.
ثم إن الحديث عن أن فاروس شركة أجنبية لا يبرئ الدولة من المسؤولية، فالامتيازات تعمل فوق أرض مصرية وبموجب اتفاقات مع جهات مصرية، ومن حق المصريين معرفة حدود البيع وإعادة البيع.
ومن هنا، تصبح حقوق الشفعة والاعتراض الأمني والرقابة السيادية أدوات واجبة لا ترفاً إدارياً، وإذا لم تُستخدم في لحظة كهذه، فمتى تستخدم الدولة أدواتها لحماية النفط والقرار الاقتصادي.
الطاقة كسلاح ضغط سياسي
في الوقت نفسه، تكشف الصفقة كيف تسعى إسرائيل إلى توسيع نفوذها الطاقوي شرق المتوسط، ليس عبر الغاز فقط، بل عبر اقتناص حصص نفطية منتجة تمنحها حضوراً مباشراً في خرائط الطاقة المصرية.
كذلك، لا يأتي القلق المصري من فراغ، فالقاهرة تحاول تقديم نفسها مركزاً إقليمياً للطاقة، بينما تسعى تل أبيب إلى تكريس موقع مماثل، ما يحول التعاون المعلن إلى تنافس مكشوف على النفوذ.
إضافة إلى ذلك، فإن حرب غزة جعلت أي حضور إسرائيلي اقتصادي داخل مصر عبئاً سياسياً وأخلاقياً مضاعفاً، لأن الاحتلال الذي يحاصر الفلسطينيين لا يمكن منحه مفاتيح رمزية داخل قطاع سيادي مصري.
وعليه، يرى منتقدو الصفقة أن دخول ريشيو قد يتحول مستقبلاً إلى ورقة ضغط في أوقات الأزمات، سواء عبر التوريد أو الاستثمار أو البيانات التشغيلية أو الشراكات اللاحقة مع أطراف غير معلنة.
بالمقابل، تدفع الرواية الرسمية المعتادة نحو اعتبار الاستثمار الأجنبي حلاً للأزمة، لكنها تتجاهل أن الاستثمار حين يدخل من بوابة الاحتلال لا يضيف سيولة فقط، بل يضيف نفوذاً سياسياً يصعب نزعه.
وفوق ذلك، فإن امتياز الفيوم يضم حقولاً منتجة، وشمال بني سويف يمثل امتداداً مهماً، ما يجعل الحديث عن أصول صغيرة أو هامشية تضليلاً لحقيقة أن الصفقة تمس إنتاجاً قائماً لا مشروعاً افتراضياً.
لذلك، يصبح الحد الأدنى المطلوب هو إعلان حكومي واضح يحدد موقف الهيئة المصرية العامة للبترول والأجهزة السيادية من الصفقة، مع كشف شروط الموافقة أو الرفض للرأي العام دون مراوغة.
ثم إن البرلمان مطالب باستدعاء وزيري البترول والاستثمار لمساءلة علنية، لأن ترك ملف كهذا داخل غرف التفاوض المغلقة يعيد إنتاج منطق بيع الأصول أولاً، ثم إبلاغ الناس بعد فوات الأوان.
وبناءً عليه، لا تكفي الطمأنة اللفظية عن مراجعة الجهات المختصة، بل يجب وضع قاعدة تمنع انتقال حصص الطاقة والموانئ والدواء والزراعة إلى كيانات مرتبطة بدول خصمة أو متورطة في جرائم إقليمية.
في المحصلة، تكشف صفقة ريشيو وفاروس ثلاث أزمات متداخلة: اختراق إسرائيلي، خصخصة بلا سياج سيادي، وتحوّل الطاقة إلى ورقة ضغط، بينما يدفع المصريون ثمن اقتصاد يبيع مفاتيحه ثم يسأل عن السيادة.

