يعيش المصريون واقعا مريرا وقاسيا منذ الانقلاب على الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي، حيث تبددت الآمال في بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها. وفي هذا السياق، صرح الباحث عمرو مجدي، الباحث الأول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش، بانتهاج السلطات المصرية سياسة قمعية محكمة وممنهجة. وعلاوة على ذلك، أكدت الباحثة سارة حشاش، نائبة المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن هذه السياسات دمرت الفضاء المدني بالكامل وأنهت أي تسامح مع المعارضة.
شهدت مصر تراجعا حادا وغير مسبوق في مجال الحريات الأساسية وحقوق الإنسان على مدار العقد الماضي. ونتيجة لذلك، تعج السجون ومراكز الاحتجاز حاليا بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين والنشطاء السلميين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. زُج بهؤلاء المواطنين في المعتقلات المظلمة لمجرد ممارستهم لحقوقهم المشروعة ودفاعهم المستميت عن الحريات العامة والتعبير عن آرائهم.
وثقت المنظمات الحقوقية الدولية، عبر تقاريرها المتتالية، تصاعدا مقلقا وخطيرا في حملات القمع العنيفة والممنهجة. وتستهدف هذه الحملات الأمنية الشرسة أي صوت مستقل ينتقد السياسات الحكومية أو يحتج سلميا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تعصف بالبلاد. وفي المقابل، قدمت الحكومة المصرية تقارير مضللة للجهات الدولية واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان تنفي فيها نفيا قاطعا وجود سجناء رأي أو صحفيين معتقلين، لتشكل بذلك غطاء سياسيا للانتهاكات المنهجية المستمرة.
استهداف النشطاء وحجب المواقع المستقلة
اعتقلت الأجهزة الأمنية، في إطار حملاتها المستمرة، عشرات النشطاء السياسيين السلميين من منازلهم وأماكن عملهم. وبناء على ذلك، وجهت النيابة العامة اتهامات خطيرة بالإرهاب ونشر الأخبار الكاذبة لمعارضين عاديين بسبب تعبيرهم عن آرائهم سلميا وتذمرهم من غلاء الأسعار على منصات التواصل الاجتماعي. وتوسعت السلطات كذلك بشكل ملحوظ في ملاحقة المحامين والحقوقيين البارزين في إطار خطتها الشاملة لتكميم الأفواه وإسكات المجتمع المدني.
استدعت جهات التحقيق الرسمية المحامي البارز والمرشح الرئاسي السابق خالد علي للتحقيق معه في تهم واهية. وأحالت السلطات القضائية هذا المحامي الحقوقي لمحاكمة عاجلة وسريعة بتهمة ارتكاب فعل فاضح علني أثناء احتفاله بحكم قضائي. وسعت الحكومة، من خلال هذه الخطوة الواضحة والمكشوفة، لإقصائه سياسيا بشكل نهائي ومنعه من ممارسة حقوقه السياسية والترشح للانتخابات الرئاسية المقررة.
وفي بداية فترات إحكام قبضة الإنقلاب، شنت قوات الأمن حملات اعتقال واسعة النطاق طالت أعضاء فاعلين في أحزاب سياسية شرعية مثل حزب الدستور وتيار الكرامة وحزب العيش والحرية وحركة شباب 6 أبريل- الحركات الرئيسية المعارضة في فترة حكم الرئيس مرسي.
كما شن الانقلاب حملات الأمنية الصارمة مع اندلاع الاحتجاجات السلمية الرافضة لتنازل الحكومة عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر. ولذلك، حجبت الحكومة المصرية مئات المواقع الإلكترونية الإخبارية والحقوقية المستقلة، مثل موقع مدى مصر وديلي نيوز إيجيبت والجزيرة، لخنق حرية التعبير وعزل المواطنين تماما عن المصادر المستقلة للمعلومات.
"أوقفت السلطات المصرية في الأسابيع الأخيرة ما لا يقل عن 50 ناشطاً سياسياً سلمياً، وحجبت ما لا يقل عن 62 موقعاً إلكترونياً، ولاحقت مرشح رئاسي سابق جنائيًا، بحسب هيومن رايتس ووتش، وتساهم هذه الإجراءات في إغلاق أي مساحة متبقية للتعبير الحر."
https://www.hrw.org/news/2017/06/15/egypt-intensifying-repression-basic-freedoms
تشريع القمع واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب
استغلت الحكومة المصرية قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة، وتحديدا المادة الثامنة والعشرين، لقمع الأصوات المعارضة وتجريم الممارسة السياسية السلمية. وبسبب هذه القوانين الصارمة، واجه العديد من النشطاء الشباب عقوبات قاسية تصل إلى السجن لخمس سنوات بسبب منشورات بسيطة تطالب بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية.
وأحالت نيابة أمن الدولة العليا، بناء على تحريات أمنية غير دقيقة، آلاف الأشخاص العاديين إلى المحاكمة العاجلة في قضايا إرهاب مسيسة تفتقر لأدنى معايير الشفافية.
قضى أكثر من نصف هؤلاء المعتقلين أشهرا أو سنوات طويلة في الحبس الاحتياطي التعسفي الممتد دون محاكمة عادلة أو أفق قانوني واضح. وأعلن رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي عدم تصديقه على مسودة قانون الإجراءات الجنائية المعيب وإعادته للبرلمان لمزيد من المراجعة والنقاش. وأكدت منظمات المجتمع المدني، رغم هذه الخطوة الرئاسية، أن النسخ السابقة والمقترحة من القانون تعصف بنظام العدالة الجنائية بأكمله وتنتقص من حقوق المتهمين الأساسية.
منح مشروع القانون المذكور، في صيغته المثيرة للجدل، صلاحيات واسعة النطاق ومخيفة للنيابة العامة ورجال الضبط القضائي. وشملت هذه الصلاحيات غير المسبوقة حق اعتراض الاتصالات الخاصة للمواطنين وإصدار قرارات منع من السفر وتجميد أموال مفتوحة المدة دون رقابة قضائية فعلية. وشكلت التعديلات الدستورية التي تم تمريرها ضربة قاصمة لاستقلال القضاء، وعمقت تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والعامة بشكل يعيق التحول الديمقراطي.
"السلطات المصرية واصلت إحكام قبضتها على البلاد خلال العام الماضي، حيث يقبع المدافعون عن الحقوق والصحفيون والنشطاء في السجون، وتقوم السلطات بسحق المعارضة السلمية مع الإفلات من العقاب."
https://www.hrw.org/news/2026/02/04/egypt-muzzling-dissidents-narrowing-civic-space
غياب الفضاء المدني وتجاهل التوصيات الدولية
قمعت قوات الأمن الداخلي المظاهرات السلمية والوقفات الاحتجاجية بوحشية بالغة وقوة مفرطة لا تتناسب مع طبيعة الحدث. واعتقلت الشرطة بشكل تعسفي العمال المضربين والمواطنين الغاضبين المحتجين على الأوضاع المعيشية القاسية وتفاقم غلاء الأسعار المتزايد. وفرضت السلطات التنفيذية قيودا مشددة وقانونية مجحفة على منظمات المجتمع المدني عبر قوانين قمعية مثل قانون الجمعيات الأهلية لعام 2019 وقانون اللجوء الجديد لعام 2024.
واستدعت الأجهزة الأمنية في قطاع الأمن الوطني عشرات العمال الكادحين من شركة غزل المحلة العريقة إثر تنظيمهم إضرابا سلميا. واحتجزت قوات الأمن هؤلاء العمال بمعزل تام عن العالم الخارجي لعدة أيام دون السماح لهم بالتواصل مع محاميهم أو ذويهم. وأحالت النيابة بعض هؤلاء العمال لنيابة أمن الدولة للتحقيق معهم بتهم ملفقة مثل الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة لمجرد مطالبتهم بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
ووثقت منظمة العفو الدولية، في تقاريرها الميدانية، حالات إخفاء قسري مرعبة وتعذيب وحشي لمعتقلين احتجوا على غلاء الأسعار وصعوبة المعيشة. وشملت هذه الانتهاكات الجسيمة ممارسات مروعة مثل الصعق بالكهرباء والضرب المبرح لانتزاع اعترافات أو معاقبة النشطاء على انتقادهم لسياسات الحكومة. وتجاهلت الحكومة المصرية تماما وبشكل متكرر توصيات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنددة بهذه الانتهاكات الجسيمة وأحكام الإعدام الجماعية الجائرة، محولة البلاد إلى بيئة تخلو من أبسط مقومات العدالة.
" الحكومة المصرية تلجأ مرة أخرى إلى الأساليب القمعية لسحق أدنى شكل من أشكال المعارضة، سواء الاحتجاج السلمي، أو إضرابات العمال، أو مجرد التنفيس عن الإحباط في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي."
يتبين بوضوح، في ختام هذا المشهد، أن الوضع الحقوقي والسياسي في مصر وصل إلى منعطف شديد الخطورة، حيث نجحت السلطات الحاكمة في هندسة بيئة قمعية متكاملة تخنق أي نبض للمعارضة أو التعبير السلمي.
ولم تكتفِ الأجهزة المعنية بتعطيل مسار التحول الديمقراطي فحسب، بل كرست منظومة قانونية وأمنية تحمي الانتهاكات وتشرعن القمع تحت غطاء مكافحة الإرهاب المزعوم. ومع استمرار السلطات في تجاهل النداءات الدولية وتوصيات المنظمات الحقوقية، وتصاعد وتيرة الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري، يدفع المواطن المصري الفاتورة الأكبر من حريته وكرامته.
وتبقى الآمال في استعادة الفضاء المدني وتصحيح هذا المسار مرهونة بتغييرات هيكلية عميقة تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتحترم حقوق الإنسان، بعيداً عن قبضة أمنية تصادر حاضر البلاد ومستقبلها.

