عصام عبد الشافي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مؤسس ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية
تعدّدت الكتابات خلال السنوات العشر الأخيرة عن صعود الصين وقدراتها، وذهب بعضهم إلى الحديث عن "تعدّدية قطبية" تمثل الصين أحد أطرافها، بجانب كل من الولايات المتحدة وروسيا، ومع كل أزمة تحدث في منطقة الشرق الأوسط أصبح أحد الأسئلة التي يتم تكرارها: ماذا ستفعل الصين؟
جاءت فكرة هذا المقال على خلفية متابعة مؤتمر دولي كبير بعنوان "السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط"، نظّمته عدة جامعات ومراكز بحث وفكر عربية، من 26 إلى 28 الشهر الماضي (يونيو)، في إسطنبول.
وبعد تقديم أكثر من 70 ورقة بحثية، كانت التساؤلات التي طرحتها أكبر من الإجابات التي قدمتها، ولعل هذا يعود، في جانب كبير منه، إلى "حداثة" الاهتمام المتعمق بالشأن الصيني على المستوى البحثي العربي، وضعف عدد الخبراء العرب المتخصّصين في هذا المجال، ومن أهم العوامل التفسيرية لذلك الضعف حاجز اللغة، واعتماد من يكتبون عن الصين على مصادر غربية بالأساس تتحكّم في رؤاهم وتوجهاتهم ومواقفهم نحو السياسة الصينية، وقضاياها وأولوياتها الشرق أوسطية عامة، والعربية خاصة.
وإذا كانت العلاقات الدولية، في جوهرها، تبادلية، فإن الحديث عن "السياسات الصينية تجاه الشرق الأوسط" من دون الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية تجاه الصين" يؤدّي إلى مزيد من القصور في الفهم والإدراك بأبعاد هذه العلاقات. إلا أن الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" يطرح تساؤلات أكثر من أنه يقدّم إجابات، لأن الحديث عن "السياسات الصينية" يعني طرفًا واضحًا ومحدّدًا، له أهدافه وخططه وسياساته وأدواته في المنطقة، ولكن عند الحديث عن "السياسات الشرق أوسطية" يكون السؤال الأبرز: عمّن نتحدّث؟ الدول العربية أم تركيا أم إيران أم "إسرائيل"؟ وفي الدول العربية هل نتحدث عن دول المشرق العربي (العراق، سورية، الأردن، لبنان، فلسطين)، أم عن دول الخليج العربية (السعودية، عُمان، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين)، أم عن دول المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا) أم عن دول حوض النيل والقرن الأفريقي؟
فإذا كان الاسم الجامع هو "العربية" فإن تعدّد التقسيمات الإقليمية الفرعية يعني مزيدًا من عدم وضوح الرؤى وتنسيق السياسات في مواجهة الصين والتعاطي معها، بل الأسوأ من هذا أن نجد على مستوى منظومة فرعية من المنظومة العربية، مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، غيابًا للتوافق والتنسيق والرؤى الموحّدة في التعاطي مع السياسات الصينية.
ويزداد الأمر سوءًا عندما نتحدّث عن السياسات الصينية تجاه القضية الفلسطينية والأطراف الرئيسية في هذه القضية، فهل نتحدّث عن سياساتها تجاه السلطة الفلسطينية أم تجاه حركات المقاومة أم تجاه الكيان الصهيوني؟ وإذا أرادت الصين أن تضبط بوصلة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية فعلى أي "موجة" تجاه القضية ستفعل؟ على الموجة الإيرانية أم التركية أم الإسرائيلية أم الموجات العربية، وهي موجات وليست موجة واحدة، في ظل تسارع سياسات التطبيع على حساب القضية الفلسطينية من أطراف تحرص الصين على تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها.
في ظل هذا التعقيد، تتطلب الإجابة عن سؤال: ماذا تُريد الصين منا وماذا نُريد منها مراعاة اعتبارات وملاحظات تأسيسية عديدة: أولها، أنه إذا كان هناك اتفاق عند بعضهم عن الصين وماذا تريد من الشرق الأوسط، فهناك اختلاف بين كثيرين حول مفهوم "الشرق الأوسط" في ذاته!، وهل المقصود به المفهوم البريطاني القديم الذي يشمل مصر والمشرق العربي، أم المفهوم الأميركي الضيق الذي يشمل الدول العربية وتركيا وإيران والكيان، أم المفهوم الأميركي الواسع بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، الذي يشمل بجانب ما سبق أفغانستان وباكستان.
ومن ناحية ثانية، أحد المداخل المنهجية في العلوم السياسية "منهج الدور"، الذي يستند إلى أربعة أركان رئيسية لفهم "دور" أي طرف من أطراف العلاقات الدولية: محددات الدور، سلوك (مظاهر) الدور، تقييم الدور، مستقبل الدور، وبالتالي يسهل تطبيقه مباشرة على "السياسات الصينية" في الشرق الأوسط، لكن يصعب تطبيقه على "الشرق الأوسط" لأننا هنا سنتحدث عن "أدوار" متنافسة ومتناقضة بل متصارعة، وليس عن دور واحد.
ومن ناحية ثالثة، الحديث من مدخل "السياسات الصينية في الشرق الأوسط" قد يُفهم منها أنها تؤثر في الإقليم، وهذا ما يتطلب فهم مستويات هذا التأثير وحدوده لأنه يختلف أيضًا بين دولة ودولة، وبين إقليم فرعي وآخر، داخل الإقليم الكبير، كما يختلف بين قضية وقضية، بحسب ترتيب الأولويات في السياسة الصينية، وبحسب طبيعة النسق الإقليمي والدولي الحاكم لتلك القضية في مرحلة زمنية معينة.
ومن ناحية رابعة، وفي مقابل الحديث عن "تأثير الصين في الإقليم"، يجب أن يُطرح سؤال آخر عن "تأثير الإقليم في الصين" أي هل هناك أطراف أو قضايا أو أزمات من داخل الإقليم تؤثر في الصين؟ ومبعث هذا السؤال أن عددًا من أزمات الإقليم في الربع قرن الأخير كانت مصطنعة، أي يقف خلف نشوئها وتطوراتها أطراف واضحة، وأن من بين أهداف صناعتها تهديد المصالح الاستراتيجية الصينية في المنطقة، كما هو الحال في الصراع الممتد بين إيران والكيان، وآخر جولاته في حرب 2025، وحرب 2026.
ومن ناحية خامسة، تحولات سياسية عديدة شهدها الإقليم خلال الربع قرن الأخير، خصوصًا في الدول التي كانت ترتبط بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع الصين مثل "عراق صدّام"، و"ليبيا القذافي" و"سورية الأسد"، و"سودان البشير"، ارتبطت في أحد أبعادها باستهداف المصالح الصينية في هذه الدول والقضاء على الوجود الصيني فيها، ما يعني أن "داخل الإقليم" قد يكون أكثر تأثيرًا في السياسات الصينية، من تأثير هذه السياسات في الإقليم.
ومن ناحية سادسة، أن طرح التساؤلات وتعدد الجدالات حول تحولات النظام الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وهل يشهد ميلاد "قوة عظمى جديدة"، يجب أن يرتبط بطرح تساؤلات جوهرية وإثارة نقاشات جادة حول "هل نشهد ميلاد "مفهوم جديد للقوة"؟ خاصة مع التطورات الهائلة في بنية الترسانات العسكرية وعدم ارتباطها في جانب كبير منها بالقدرات المادية، بل بتوظيف القدرات الفنية والتكنولوجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة، وأن الأمر لم يعد يقف عند ما تحدث عنه جوزيف ناي عن ثلاثية القوة "الصلبة والناعمة والذكية"، ولكن أصبح يرتبط بالقدرة على توظيف هذه الثلاثية وحدود فعاليتها وتأثيرها.
ومن ناحية سابعة، يتطلب الحديث عن " الصين.. ماذا تُريد منا وماذا نُريد منها؟، في جانب منه، تحليل رؤية الصين الفكرية والثقافية والحضارية لمفهوم العلاقات الدولية ابتداءً، والتوسع في ترجمة الأدبيات الصينية المتخصصة في هذا المجال، لتحقيق مزيد من الفهم للفكر السياسي الصيني الحديث والمعاصر، وليس فقط القديم الذي يستدعي مقولات كونفوشيوس وصن تزو، مع أهميتها وضرورتها، عند كل حديث عن الصين وسياساتها ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في العالم المعاصر. فالصين رغم وحدتها "فاعلًا في العلاقات الدولية"، يمكن الحديث عن "أكثر من صين" وفق معيار التطورات التي مرت بها على الأقل خلال القرن الأخير.

