أصدرت محكمة مختصة بقضايا الإرهاب في تونس العاصمة حكما بالسجن ثلاث سنوات بحق العجمي الوريمي، الأمين العام لحركة النهضة، بتهمة عدم إبلاغ السلطات عن جريمة إرهابية، في قضية أعادت الجدل حول توظيف القضاء ضد خصوم الرئيس قيس سعيد.

 

ولا يبدو الحكم منفصلا عن المسار السياسي الذي تعيشه تونس منذ 25 يوليو 2021، حين جمع سعيد معظم السلطات في يده وبدأ تفكيك المؤسسات الرقابية، قبل أن تتسع السجون لقيادات المعارضة والصحفيين والنشطاء والمحامين.

 

 

ثلاث سنوات في قضية بدأت عند حاجز أمني

 

تعود القضية إلى 13 يوليو 2024، عندما أوقفت قوات الأمن العجمي الوريمي ومصعب الغربي والقيادي في النهضة محمد الغنودي بمنطقة برج العامري في ولاية منوبة، بعدما كانوا داخل سيارة واحدة أثناء تنقلهم.

 

وبحسب ملف القضية، كان الغنودي مطلوبا في تحقيقات مرتبطة بقضايا إرهابية، لتتحول الواقعة من توقيف أمني إلى ملف أمام القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ثم محاكمة انتهت بإدانة الوريمي والغربي.

 

ووجهت إلى الوريمي تهمة الامتناع عن إشعار السلطات بما بلغ إلى علمه بشأن جريمة إرهابية، بينما اتهم الغربي بتوفير مكان لإيواء شخص ملاحق وإخفائه والمساعدة على فراره، وصدر بحق الاثنين الحكم نفسه.

 

لكن هيئة الدفاع وحركة النهضة قدمتا رواية مناقضة، إذ أكدتا أن الوريمي والغربي لم يكونا مطلوبين عند توقيفهما، وأن إجراءات الاحتجاز شابتها خروقات، وأن التهم جاءت لاحقا لتغطية توقيف وصفته الحركة بغير القانوني.

 

كما تمسكت هيئة الدفاع بأن الرجلين لم يكونا يعلمان أن الغنودي مطلوب في قضية إرهابية، وهو دفع يضرب في صميم الاتهام، لأن المسؤولية الجنائية هنا ترتبط بإثبات العلم والقصد، لا بمجرد الوجود في سيارة واحدة.

 

وزادت الشكوك بعدما قالت منظمة العفو الدولية إن الرجال الثلاثة اعتقلوا خلال فحص روتيني للهوية أثناء تنقل شخصي، واعتبرت احتجازهم تعسفيا ومرتبطا بانتمائهم السياسي، مطالبة بإسقاط التهم والإفراج عنهم.

 

 

من حكم فردي إلى حملة أوسع على المعارضة

 

لا يقف اسم الوريمي وحده في سجل السجون التونسية، فالحكم يأتي وسط موجة ملاحقات طالت منذ 2023 معظم الوجوه البارزة في المعارضة، وعلى رأسها قيادات حركة النهضة وجبهة الخلاص وشخصيات سياسية وحقوقية مستقلة.

 

ويقضي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي أحكاما متراكمة بالسجن في عدة قضايا، بينما صدرت أحكام قاسية بحق سياسيين ومسؤولين سابقين بتهم التآمر على أمن الدولة والإرهاب والفساد.

 

وفي فبراير 2026، رفعت محكمة استئناف عقوبة الغنوشي في إحدى قضايا التآمر إلى عشرين عاما، ضمن محاكمة شملت واحدا وعشرين متهما، بينما تقول المعارضة إن الملفات مفبركة لإسكات خصوم سعيد.

 

ولم يعد المشهد يتعلق بصحة اتهام واحد فقط، بل بنمط تتكرر فيه المفردات ذاتها: أمن الدولة، الإرهاب، التآمر، ثم أحكام طويلة تصيب المعارضين في وقت تواصل فيه السلطة إنكار أي تدخل سياسي.

 

ويقول سعيد إن لا أحد فوق القانون وإن القضاء مستقل وإن إجراءاته جاءت لمحاربة الفساد والفوضى، لكن هذا الخطاب يصطدم باتساع قائمة المسجونين من الاتجاهات السياسية والإعلامية والحقوقية المنتقدة لحكمه.

 

وبينما لا تكفي صفة المعارض وحدها لإثبات براءة أي متهم، فإن تكرار الملاحقات بهذا الاتساع يجعل من الصعب عزل كل قضية عن المناخ العام، خصوصا حين يصبح السجن مصيرا متكررا للأصوات المناوئة للرئيس.

 

 

قضاء تحت ظل 25 يوليو

 

يعود جذر الأزمة إلى 25 يوليو 2021، عندما جمد قيس سعيد عمل البرلمان ثم حله، وبدأ الحكم بالمراسيم، قبل أن يحل المجلس الأعلى للقضاء ويعزل عشرات القضاة، وهي خطوات اعتبرتها المعارضة انقلابا على الديمقراطية.

 

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت استقلالية القضاء في قلب الصراع، لأن المؤسسة التي يفترض أن تفصل بين السلطة وخصومها تعرضت لإعادة تشكيل واسعة تحت رئاسة توسعت صلاحياتها على حساب بقية المؤسسات.

 

ولهذا لا تقنع رواية الاستقلال القضائي معارضي سعيد، فالقضية بالنسبة إليهم لا تتعلق بأوامر مباشرة إلى القضاة، بل بمنظومة تغيرت فيها موازين القوة وصار العمل السياسي المعارض محاطا بمخاطر السجن والتحقيق.

 

وقد حذرت منظمات حقوقية من تراجع ضمانات المحاكمة العادلة ومن استخدام قوانين الإرهاب وأمن الدولة ضد المعارضين، بينما تواصل السلطة تأكيد أن المتهمين يحاكمون على أفعال لا على آرائهم أو انتماءاتهم.

 

لكن حكم الوريمي يعيد السؤال الذي لم يعد ممكنا دفنه تحت الصيغ القانونية: لماذا تتكرر القضايا الثقيلة ضد المعارضين تحديدا، ولماذا أصبح القضاء الحاضر الأكبر في إدارة الخلاف السياسي منذ توسع سلطة سعيد؟

 

وقد تبدو عقوبة الثلاث سنوات أقل من الأحكام التي طالت شخصيات أخرى، لكنها تحمل الدلالة السياسية نفسها، لأن الأمين العام لأكبر أحزاب المعارضة الإسلامية ينتقل من العمل الحزبي إلى السجن في بلد تتقلص فيه مساحات المنافسة.

 

وفي النهاية، قد تملك السلطة ملفا قضائيا وتهمة ونصوصا قانونية، لكن العدالة لا تقاس بوجود أوراق الاتهام وحدها، بل باستقلال المؤسسة التي تصدر الحكم وبضمانات الدفاع وبغياب الشبهة السياسية عن الملاحقات.

 

وقضية العجمي الوريمي، أكثر من كونها حكما على رجل، أصبحت اختبارا جديدا لدولة تقول إنها تطبق القانون، فيما يرى خصومها أن القانون نفسه تحول إلى سلاح لإبعاد المعارضين وإبقائهم خلف القضبان.