تقدم عدد من المصريين بالخارج بشكوى جماعية إلى وزيرة الإسكان راندة المنشاوي، اعتراضا على تحويلات المرحلة 11 من مشروع بيت الوطن في 22 مدينة جديدة، متهمين مخالفين بتجاوز البنك الوسيط بما هدد عدالة تخصيص الأراضي.
وتأتي الشكوى بينما تواصل الحكومة مخاطبة المصريين بالخارج باعتبارهم مصدرا حيويا للدولار، ثم تضعهم أمام سباق تحويلات تشوبه اتهامات بعدم تكافؤ الفرص، في مشهد يضرب الثقة التي يقوم عليها المشروع من أساسها.
تحويلات مخالفة تقلب سباق الأسبقية
وبداية، بدأت التحويلات التنشيطية يوم 23 يونيو 2026 ولمدة 10 أيام، باعتبارها الأداة التي تحدد ترتيب الحوالات الواردة إلى البنك المركزي، ومن ثم أسبقية المتقدمين في الحصول على الأراضي المطروحة.
لكن مقدمي الشكوى قالوا إن بعض المتقدمين، بالتعاون مع شركات صرافة وبنوك، استخدموا بنوكا وسيطة غير سيتي بنك نيويورك، رغم أن كراسة الشروط حددته وسيطا للتحويلات الخارجية بالدولار بصورة واضحة.
وبحسب الشاكين، لم تكن المخالفة شكلية، لأن اختلاف البنك الوسيط انعكس على توقيت وصول الحوالات، وهو العامل الحاسم في ترتيب المتقدمين، لتتحول ثغرة مصرفية إلى أفضلية قد تحرم ملتزمين من أراض انتظروها.
وفي المقابل، طالب المتضررون بترتيب التحويلات الملتزمة بكراسة الشروط أولا، ثم وضع التحويلات التي استخدمت مسارات أخرى بعدها، باعتبار أن مساواة الطرفين تعني عمليا مكافأة من تجاوز التعليمات ومعاقبة من نفذها.
والأخطر، أن كراسة الشروط الرسمية تنص على أن الإعلان والكراسة والتعليمات المرتبطة بالطرح جزء لا يتجزأ من التعاقد، وهو ما يجعل تجاهل أحد المسارات المصرفية المحددة سؤالا قانونيا لا مجرد خلاف فني.
كما حددت الكراسة اسم سيتي بنك نيويورك ورمز التحويل الخاص به ضمن بيانات التحويل من الخارج، لذلك يرى الشاكون أن قبول مسارات بديلة في ترتيب الأسبقية يهدم القاعدة التي بنوا عليها قراراتهم المالية.
ومن هنا، يقول المحامي بالنقض إبراهيم أبو حسين إن اشتراطات تخصيص الأراضي تكون منصوصا عليها مسبقا في كراسة المشروع، وإن صاحب الشأن يكون عالما بالتزاماته منذ البداية، بما يعزز مركز المطالبين بتطبيق القواعد المعلنة.
وعليه، فإن القضية لا تتعلق برغبة مجموعة خاسرة في تغيير النتائج، بل باتهام محدد يمكن مراجعته مصرفيا عبر مسار كل حوالة وتوقيتها والبنك الوسيط المستخدم، وهي بيانات تملكها الجهات الرسمية ولا تحتاج إلى تحقيق غامض.
فارق التوقيت يمنح المخالفين أفضلية
ومن ناحية أخرى، تقول الشكوى إن الفارق الزمني بين نيويورك ومدن أوروبية سمح لبعض الحوالات بالوصول مبكرا بنحو 5 ساعات، بما منح أصحابها تقدما زمنيا لم يكن متاحا لمن التزموا بالمسار المحدد.
وبالتالي، فإن نظام الأسبقية الذي يفترض أنه محايد تحول، بحسب الاتهامات، إلى سباق لا ينطلق فيه الجميع من خط واحد، لأن اختيار وسيط مختلف قد منح بعض المتقدمين ساعات ثمينة تساوي في النهاية قطعة أرض.
وفوق ذلك، يثير الصمت الحكومي حتى الآن شكوكا أكبر من الواقعة نفسها، فوزارة الإسكان تستطيع نشر قواعد فرز واضحة ونتائج مراجعة مصرفية، لكنها تترك المصريين بالخارج أمام التكهنات والاتهامات بعد انتهاء التحويلات.
لذلك، فإن أي تخصيص قبل حسم الشكوى سيضع الوزارة أمام أزمة ثقة وقابلية للطعن، لأن المتضررين حذروا من أن مخالفة النماذج والشروط المعتمدة قد تشوب سلامة الإجراءات وتفتح باب النزاع أمام القضاء الإداري.
وفي السياق نفسه، أظهرت المرحلة 11 توترا سابقا بسبب الأسعار، إذ قفزت أسعار أراض في بعض المدن بصورة أثارت غضب المتقدمين، قبل أن تأتي أزمة التحويلات لتضيف اتهاما جديدا يتعلق بعدالة المنافسة نفسها.
أما الباحث العمراني يحيى شوكت، فيرى أن دولرة الأراضي وتنافس أصحاب الدخول الأجنبية مع المقيمين في الداخل ينتجان أثرا غير عادل على الحق في السكن، وهي زاوية تكشف أن المشروع يتجاوز مجرد بيع أراض.
وبهذا المعنى، لا تبدو الحكومة وكأنها تربط المصري بالخارج بوطنه، بل كأنها تدير سوقا لجذب الدولار بأعلى سعر، ثم تترك المشارك يواجه ارتفاعات حادة وشروطا معقدة ونزاعات على ترتيب التحويلات.
وعلاوة على ذلك، يكشف تقرير صحفي حديث أن الحوالة التنشيطية هي التي تحدد أولوية التخصيص بناء على تقرير البنك المركزي، ما يعني أن أي فرق زمني ناتج عن مسار مصرفي مخالف قد يصبح عاملا حاسما.
ومن ثم، فإن مطالبة الشاكين ليست بإلغاء المنافسة ولا بمنحهم ميزة خاصة، بل بإعادة الجميع إلى القاعدة نفسها التي أعلنتها الهيئة، لأن العدالة تبدأ من تطبيق الشرط على الملتزم والمخالف دون استثناء.
دولارات المغتربين سريعة والشفافية غائبة
وفي الوقت ذاته، تعتمد الدولة على تحويلات المصريين بالخارج كمورد رئيسي للنقد الأجنبي، وهو ما يجعل العبث بثقتهم أكثر خطورة من خلاف على أراض، لأن كل تجربة غير عادلة تترك أثرا يتجاوز المشروع.
وبحسب الخبير الاقتصادي أحمد معطي، يرتبط ارتفاع التحويلات عبر القنوات الرسمية بزيادة الثقة في النظام المصرفي، ولذلك فإن مشروعا حكوميا يجذب الدولار من المغتربين يحتاج إلى شفافية مضاعفة لا إلى قواعد قابلة للتأويل.
غير أن الحكومة تبدو مرة أخرى أكثر سرعة في جمع الأموال من سرعتها في حماية الحقوق، فقد استقبلت التحويلات وحددت الأسبقية بالثواني تقريبا، لكنها لم تعلن حتى الآن آلية مستقلة لفحص ادعاءات تفاوت المسارات.
كذلك، فإن المشروع طرح آلاف القطع في مدن جديدة بأسعار دولارية مرتفعة، ما يجعل كل مركز في قائمة الأسبقية ذا قيمة مالية كبيرة، ويحول أي انحراف في التوقيت إلى خسارة حقيقية لا يمكن اختزالها.
وبناء على ذلك، يصبح نشر كشف تفصيلي بمسار كل حوالة ووقت قيدها والبنك الوسيط المستخدم هو الاختبار الأول لجدية الوزارة، بدلا من الاكتفاء بعبارات النزاهة التي لا تعيد حقا ولا تفسر ترتيبا.
وفي النهاية، يطالب المصريون بالخارج بشيء يفترض أنه بديهي، أن تلتزم الحكومة بالكراسة التي ألزمتهم بها، وأن لا تتحول المرونة مع المخالفين إلى عقوبة على من اتبع التعليمات حرفيا ودفع بالدولار.

