افتتح قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة مقر القيادة الاستراتيجية، مبررا تشييده بالخوف من تكرار مشاهد ثورة يناير، ومعلنا أن الدولة نقلت مركز قرارها بعيدا عن القاهرة لمنع حصار مؤسساتها مجددا.

 

ويكشف هذا الاعتراف أن النظام لم ينظر إلى يناير باعتبارها لحظة احتجاج شعبي على الاستبداد، بل كتهديد أمني يجب تحصين السلطة منه، حتى لو كان الثمن بناء عاصمة جديدة تفصل الحكم عن المجتمع.

 

مقر جديد لحماية الحكم من الشارع

 

في المقابل، أعاد السيسي تقديم احتجاجات 2011 بوصفها خطرا على الدولة، مستشهدا بحصار المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء ومدينة الإنتاج الإعلامي وتهديد وزارة الدفاع، من دون التوقف أمام أسباب الغضب الذي سبق تلك المشاهد.

 

وبالتالي، بدا مقر القيادة الجديد أقل شبها بمشروع إداري محايد وأكثر اقترابا من عقيدة حكم تعتبر الشارع مصدر تهديد، وترى أن حماية القرار تبدأ بإبعاده جغرافيا عن الناس وتطويقه بالمؤسسات العسكرية والأمنية.

 

كما أن قول السيسي إن العاصمة الجديدة جاءت حتى لا يتكرر ما حدث يضع ثورة يناير في قلب فلسفة المشروع، ويكشف أن هاجس الاحتجاج الشعبي ظل حاضرا في تخطيط الدولة بعد أكثر من 15 عاما.

 

ومن جهة أخرى، ينسجم هذا التصور مع ما خلص إليه الباحث يزيد صايغ بشأن بناء السيسي دولة قوية في قمتها الأمنية، لكنها هشة مؤسسيا، تقوم على تركيز السلطة حول الحاكم وأجهزة الاستخبارات والأمن.

 

وفوق ذلك، يرى صايغ أن الأولوية السياسية للمؤسسة العسكرية أصبحت ركنا ثابتا في الجمهورية التي صاغها السيسي، وهو ما يجعل افتتاح مقر القيادة مشهدا سياسيا عن بنية الحكم بقدر ما هو حدث عسكري.

 

لهذا، لا تبدو المسألة مجرد نقل للمؤسسات خارج القاهرة، بل إعادة هندسة للعلاقة بين السلطة والمجال العام، بحيث يصبح مركز الحكم أبعد عن الاحتجاج وأكثر قدرة على العمل داخل نطاق شديد التحصين والسيطرة.

 

وعلى هذا الأساس، يتحول الاحتفال بالمقر إلى إعلان صريح بأن درس النظام من يناير لم يكن إصلاح السياسة أو فتح المجال العام، وإنما منع المواطنين من الوصول إلى مراكز القرار التي تحكمهم.

 

يناير شماعة لانهيار الجنيه

 

ثم إن السيسي لم يكتف بتقديم يناير كخطر أمني، بل ربطها بانهيار اقتصادي ممتد، قائلا إن الدولار انتقل من 6 جنيهات إلى 50 جنيها وإن الأحداث كلفت الدولة 450 مليار دولار.

 

غير أن هذا الخطاب يقفز فوق أكثر من عقد من القرارات الاقتصادية التي اتخذتها السلطة الحالية، ويحمل لحظة احتجاجية مسؤولية أزمات تراكمت خلال سنوات من الاقتراض والمشروعات العملاقة وتراجع قيمة العملة.

 

وفي هذا السياق، كتب الباحث تيموثي كالداس أن السيسي انتقل من ادعاء حماية الثورة أو استكمالها إلى تحميلها مسؤولية مشكلات البلاد، مع مطالبة المصريين بدفع ثمن ما فعلوه في 2011.

 

وبعبارة أخرى، تصبح الثورة شماعة سياسية جاهزة تفسر كل أزمة لاحقة، بينما تختفي من الرواية الرسمية قرارات التعويم المتكررة والتوسع في الديون والإنفاق الضخم على مشروعات لم تخضع لنقاش عام حقيقي.

 

كذلك، فإن مقارنة سعر الدولار وحدها لا تثبت أن يناير سببت كل الانهيار، لأن العملة تأثرت لاحقا بسياسات نقدية وتمويلية وديون خارجية وصدمات عالمية وقرارات حكومية اتخذت بعد سنوات من رحيل مبارك.

 

ومن ثم، يبدو رقم 450 مليار دولار جزءا من خطاب لوم سياسي أكثر منه كشفا محاسبيا مكتمل العناصر، ما دام السيسي لم يعرض طريقة الحساب ولا الفترة الدقيقة ولا الجهات التي راجعت هذا التقدير.

 

علاوة على ذلك، تشير دراسات يزيد صايغ إلى أن موجة المشروعات الكبرى والاقتصاد الذي تقوده مؤسسات الدولة أسهما في تعميق الاعتماد على الاقتراض، بينما توسعت المؤسسة العسكرية في إدارة قطاعات اقتصادية ومشروعات واسعة.

 

وبناء على ذلك، يصعب فصل أزمة الجنيه عن نموذج اقتصادي تشكل خلال حكم السيسي نفسه، وهو نموذج أنفق بكثافة على البنية التحتية والعاصمة الجديدة بينما تعرضت قطاعات التعليم والصحة لضغوط مزمنة.

 

أما الباحث الاقتصادي عمرو عادلي، فقد أوضح في دراساته أن الاقتصاد المصري دخل بعد 2011 مرحلة اضطراب وعدم يقين، لكنه ركز أيضا على أزمات هيكلية أعمق تتعلق بالاستثمار والدين واختلالات السوق.

 

ومع ذلك، يستخدم خطاب السيسي نقطة البداية وحدها لتبرئة ما تلاها، فيحول 2011 إلى متهم دائم، بينما يبقى صانعو السياسات خلال السنوات اللاحقة خارج قفص المساءلة مهما تضاعفت الديون أو تراجعت العملة.

 

عاصمة بعيدة ودولة تخشى تكرار يناير

 

الأخطر أن حديث السيسي عن إدارة الأزمات تحت الضغط والخوف يكشف نظرة ترى الاقتراب الشعبي من مؤسسات الدولة تهديدا يجب منعه، لا مؤشرا على أزمة سياسية تستوجب الاستماع والمحاسبة والإصلاح.

 

إضافة إلى ذلك، فإن العاصمة الجديدة نفسها قامت بوصفها مركزا بديلا للحكم والإدارة، ومع افتتاح القيادة الاستراتيجية تكتمل صورة دولة تنسحب من قلب المدينة القديمة إلى فضاء جديد مصمم للسيطرة والمسافات والحواجز.

 

ولزيادة التحصين السياسي، جرى خلال السنوات الماضية تقييد التظاهر وإضعاف الأحزاب وإغلاق مساحات واسعة من الإعلام والعمل العام، بحيث لم يعد الخوف من تكرار يناير مجرد خطاب بل سياسة متواصلة.

 

في الوقت نفسه، يعيد تيموثي كالداس التذكير بأن مطالب الثورة بقيت بلا استجابة حقيقية، وأن تراجع الاحتجاج بعد 2013 ارتبط بالقمع والسجون وفقدان الثقة في جدوى المشاركة، لا باختفاء أسباب الغضب.

 

ومن ناحية أخرى، فإن وصف انتقال الحكم بأنه حماية للدولة يخلط بين الدولة والنظام، لأن المؤسسات العامة ملك للمجتمع وليست حصونا لحماية سلطة بعينها من مواطنيها أو من حقهم في الاحتجاج.

 

أخيرا، يقدم افتتاح القيادة الاستراتيجية خلاصة صريحة لعلاقة السيسي بثورة يناير، فبدلا من الاعتراف بأسبابها أو معالجة آثار الاستبداد، بنى نظامه مركز حكم جديدا هدفه المعلن ضمان ألا تتكرر تلك اللحظة.

 

وهكذا، يصبح المقر الجديد شاهدا ماديا على خوف السلطة من الشعب، فيما يتحول انهيار الجنيه إلى ذريعة لإدانة الثورة، وتبقى سنوات الحكم اللاحقة بلا محاسبة رغم أنها صنعت الجزء الأكبر من واقع اليوم.

 

في المحصلة، لم يقل السيسي فقط لماذا بنى مقر القيادة، بل كشف كيف ترى سلطته مصر نفسها، دولة ينبغي أن تبتعد قيادتها عن الناس، وتتحصن منهم، ثم تلقي عليهم فاتورة الأزمات التي راكمها الحكم.