حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من اقتراب انفجار فقاعة عقارية في مصر، بعدما تراجعت مبيعات أكبر 10 مطورين بنسبة 15% خلال الربع الأول من 2026، وسط تضخم تكاليف التنفيذ واتساع مخاطر التعثر.

 

ويكشف هذا التحذير أن الأزمة لم تعد خلافا بين خبراء السوق، بل نتيجة مباشرة لسياسة حكومية حولت العقار إلى مخزن قسري للقيمة، بينما تركت المواطن يطارد الأسعار والمطور يطارد السيولة دون حماية حقيقية.

 

فقاعة صنعتها الحكومة لا السوق

 

وبداية، دفعت الحكومة المصريين إلى العقار بعدما أضعفت العملة ورفعت التضخم وقلصت البدائل الآمنة للادخار، فتحول شراء الوحدة من احتياج سكني إلى محاولة يائسة لحماية المدخرات من التآكل المستمر والمتواصل.

 

وفي المقابل، توسعت الدولة نفسها في بيع الأراضي بأسعار مرتفعة، وربطت مواردها العقارية بالمزادات والمشروعات الكبرى، فصارت شريكا في تضخم الأسعار ثم تركت السوق يتحمل وحده عواقب النمو المشوه والمضاربة المحمومة.

 

وبالتالي، لم تعد الأسعار تعكس قدرة الأسر على الشراء أو تكلفة البناء وحدها، بل أصبحت محصلة لانهيار القوة الشرائية وارتفاع الأرض والفائدة ومدد التقسيط، وهي وصفة ترفع الأرقام بينما تضعف السوق من الداخل.

 

كما أن تراجع عدد الوحدات المباعة إلى 15٫5 ألف وحدة لم يمنع بقاء قيمة المبيعات عند 271 مليار جنيه، لأن زيادات الأسعار أخفت الانكماش الحقيقي وحولت التراجع الكمي إلى أرقام مالية تبدو أقل خطورة.

 

ولزيادة الخطر، سجلت قيمة المبيعات انخفاضا بنسبة 6٫5% فقط مقابل هبوط 15% في عدد الوحدات، ما يعني أن الأسعار المرتفعة باتت تغطي تآكل الطلب بدلا من أن تعبر عن سوق صحية.

 

لذلك، يصبح الحديث الرسمي المتكرر عن قوة القطاع مضللا حين يقيس النجاح بالجنيه المتضخم لا بعدد الوحدات المنفذة والمسلمة، بينما تبقى الأسر خارج السوق وتتحول المشروعات إلى دفاتر أقساط طويلة.

 

ومن ثم، تبدو تحذيرات هاني توفيق أخطر من مجرد توقع لهبوط الأسعار، لأنها تكشف نموذجا تمويليا يعتمد فيه بعض المطورين على بيع مراحل جديدة لتمويل التزامات قديمة، بما يهدد سلسلة التسليم.

 

بيع جديد لسداد قديم

 

غير أن الحكومة تعرف منذ سنوات أن البيع على المخطط يحمل مخاطر جسيمة، ومع ذلك لم تفرض حتى الآن نظاما شاملا يلزم بفصل أموال كل مشروع وربط السحب منها بنسبة التنفيذ الفعلية.

 

وعلاوة على ذلك، وصف هاني توفيق توجيه أموال مشترين جدد إلى مراحل سابقة بأنه توريط للمؤسسات التمويلية، لأن التعثر لا يبقى داخل شركة واحدة بل ينتقل إلى المشترين والبنوك وشركات التمويل.

 

وبناء على ذلك، قد يجد المواطن نفسه يسدد قسطا لوحدة لم تكتمل، بينما يستخدم المطور حصيلة البيع في سد فجوة أخرى، فتتحول عقود السكن إلى أدوات تمويل بلا الضمانات التي تحمي المودعين.

 

وفي السياق نفسه، سبق لأحمد شلبي أن حذر من أن قياس نمو القطاع بحجم المبيعات وحده خطأ، مؤكدا أن المعيار الحقيقي هو عدد الوحدات التي يجري تسليمها فعليا للمشترين سنويا.

 

ومع ذلك، استمرت الدولة في الاحتفاء بأرقام المبيعات الضخمة، لأن ارتفاع القيمة يخدم خطاب النجاح، حتى لو كانت تلك الأرقام قائمة على مدد تقسيط طويلة وأسعار متضخمة وتأجيل مستمر لمخاطر التنفيذ.

 

كذلك، أوضح معتز شلبي أن البناء الكامل قبل البيع يفرض ضغوطا تمويلية كبيرة بسبب ارتفاع تكلفة الأرض والإنشاء، لكن هذه الحقيقة لا تبرر ترك أموال المشترين بلا رقابة أو ضمانات مشروع مستقلة.

 

وعمليا، كان يمكن للحكومة أن تفرض حسابات ضمان ملزمة منذ البداية، بحيث تودع أقساط المشترين في حساب مستقل لكل مشروع، ولا يصرف منها إلا مقابل نسب تنفيذ معتمدة ومراجعة.

 

لهذا، فإن غياب هذا النظام على نطاق شامل ليس تفصيلا فنيا، بل قرار سياسي واقتصادي منح المطور حرية استخدام سيولة العميل، ثم ترك العميل يواجه وحده مخاطر التأخير والتعثر وانهيار القيمة.

 

المشتري آخر من يعلم وأول من يخسر

 

وفوق ذلك، يواجه المشتري مشكلة إعادة البيع، لأن المطور يقدم تقسيطا يمتد بين 5 و7 سنوات وربما أكثر، بينما يحتاج المالك القديم إلى سيولة أسرع، فيخسر قدرته على منافسة الشركة نفسها.

 

ومن ناحية أخرى، حين يتراجع الطلب الحقيقي وتظل الأسعار الاسمية مرتفعة، تتجمد السوق الثانوية، فيصبح امتلاك الوحدة على الورق مختلفا عن القدرة على بيعها فعليا بالسعر المعلن أو المتوقع عند الحاجة.

 

وبهذا، تتحول الثروة العقارية التي وعدت بها الحملات الإعلانية إلى أصل قليل السيولة، وقد يضطر صاحبه إلى خصومات مؤلمة، خصوصا إذا احتاج إلى المال قبل موعد التسليم أو اكتمال المشروع.

 

وفي الأثناء، تواصل الحكومة تقديم الأراضي والمشروعات باعتبارها قاطرة نمو، من دون الاعتراف بأن الاعتماد المفرط على العقار يسحب التمويل والمدخرات من الصناعة والإنتاج ويوجهها نحو أصول غير قابلة للتصدير.

 

ثم إن الخطر لا يتوقف عند المشترين، لأن أي تعثر واسع قد يضغط على البنوك وشركات التمويل التي دخلت على خطوط التقسيط والتوريق، ويحول أزمة مطورين إلى مشكلة أوسع في النظام المالي.

 

ومع تصاعد هذه المخاطر، يصبح صمت الجهات الرقابية أكثر فداحة، إذ لا تكفي بيانات الترخيص ولا الوعود التنظيمية إذا لم يعرف المشتري أين تذهب أقساطه وما نسبة التنفيذ الحقيقية لمشروعه.

 

ولهذا السبب، دعا هاني توفيق المشترين إلى الشراء للسكن لا للمضاربة القصيرة، وإلى التعامل مع مطورين ذوي سجل موثوق، وهي نصيحة تكشف حجم غياب الحماية المؤسسية المفترض أن توفرها الدولة.

 

وعلى هذا الأساس، لا يجوز تحميل المواطن مسؤولية سوء الاختيار وحده، لأن الدولة التي تبيح البيع قبل التنفيذ وتسمح بخلط التدفقات المالية ملزمة بإنشاء قواعد تمنع انتقال الخسارة إلى الأفراد.

 

وأخيرا، فإن الأرقام الحالية لا تقول إن الانفجار وقع، لكنها تقول إن الإنذار أصبح علنيا، وإن استمرار الحكومة في إنكار الخلل سيجعل تكلفة التصحيح أكبر كلما تأخر التدخل الحقيقي والرقابة الجادة.

 

وفي النهاية، ليست الأزمة أن المصريين أحبوا العقار أكثر من اللازم، بل أن السلطة دفعتهم إليه ثم جعلته وعاء لجباية الأرض وتسكين التضخم وتمويل المطورين، قبل أن تتركهم وحدهم أمام الفاتورة.