على مدار أكثر من 15 عاماً، تكررت رواية عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب العسكري،  تربط بين ثورة 25 يناير 2011 والانهيار الكبير الذي شهده الجنيه المصري أمام الدولار، باعتبارها نقطة البداية للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد حتى اليوم.

 

غير أن مراجعة الأرقام الرسمية، ومسار سعر الصرف، وتطورات الاقتصاد المصري خلال تلك الفترة، تكشف صورة أكثر تعقيداً، تشير إلى أن تراجع الجنيه لم يكن نتيجة مباشرة للثورة، وإنما جاء نتيجة تراكمات وسياسات اقتصادية وقرارات مالية اتخذت خلال السنوات التالية.

 

فبينما شهد عام الثورة اضطرابات سياسية وأمنية أثرت بالفعل على بعض القطاعات الحيوية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، فإن المؤشرات الاقتصادية الأساسية لم تُظهر انهياراً فورياً في سوق الصرف أو احتياطيات النقد الأجنبي، كما أن الانخفاض الحاد في قيمة العملة بدأ بعد سنوات، مع دخول الاقتصاد المصري في موجة من الاقتراض الخارجي، وتنفيذ مشروعات عملاقة، واللجوء إلى التعويم المتكرر للجنيه.

 

 

سعر الصرف في عام الثورة.. استقرار رغم الاضطرابات

 

عند مراجعة بيانات سوق الصرف خلال عام 2011، يتبين أن الدولار حافظ على مستويات تراوحت بين 5.95 و6.03 جنيهات، ولم يشهد السوق حينها قفزات استثنائية أو انهياراً للعملة المحلية.

 

كما أن الفترة الممتدة من عام 2012 وحتى نهاية 2015 شهدت تراجعاً تدريجياً محدوداً، حيث ارتفع سعر الدولار إلى نحو 7.83 جنيهات فقط بنهاية عام 2015، وهو ما يعكس أن الجنيه ظل مستقراً نسبياً طوال تلك السنوات مقارنة بما حدث لاحقاً.

 

وفي الوقت نفسه، ورغم تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية عقب الثورة، فإن الاقتصاد المصري حقق مؤشرات إيجابية في بعض القطاعات، أبرزها زيادة الصادرات وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، بينما بلغ إجمالي موارد النقد الأجنبي في العام المالي 2010-2011 نحو 64.2 مليار دولار، مقابل 66 مليار دولار في العام السابق، أي بتراجع محدود بلغ 1.8 مليار دولار فقط.

 

 

بداية الأزمة الحقيقية.. نهاية 2015

 

يرى عدد من الخبراء أن نقطة التحول الأساسية في أزمة الجنيه جاءت مع نهاية عام 2015 في عهد الانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح السيسي، حين بدأت ضغوط كبيرة تتراكم على سوق الصرف نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية، قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها مع قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016.

 

ومنذ ذلك التاريخ فقد الجنيه المصري أكثر من 90% من قيمته أمام الدولار، بعد سلسلة من التعويمات المتتالية التي أعادت رسم خريطة الاقتصاد المصري بالكامل.

 

 

مشروعات عملاقة وضغط على الاحتياطي النقدي

 

من أبرز الملفات التي يربطها اقتصاديون بأزمة العملة، مشروع تفريعة قناة السويس، الذي تم إنجازه خلال عام واحد، وسط تقديرات تشير إلى توجيه نحو 8 مليارات دولار من موارد الدولة المرتبطة بالاحتياطي الأجنبي إلى المشروع.

 

ويرى منتقدون أن هذا الإنفاق الكبير جاء في وقت كانت فيه البلاد تحتاج إلى تعزيز الاحتياطي النقدي وتوفير السيولة الدولارية، وهو ما زاد الضغوط على سوق الصرف.

 

 

تعويم 2016.. نقطة التحول الأكبر

 

جاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار ليشكل محطة فارقة في تاريخ الجنيه المصري، إذ اشترط الصندوق تحرير سعر الصرف بشكل كامل.

 

وبالفعل، قفز الدولار عقب التعويم من نحو 8.88 جنيهات إلى ما بين 18 و19.5 جنيه، قبل أن يتجاوز حاجز 20 جنيهاً لأول مرة في تاريخ مصر خلال ديسمبر 2016، لتبدأ مرحلة جديدة من التراجع المتسارع للعملة المحلية.

 

 

ضربة السياحة بعد سقوط الطائرة الروسية

 

في أكتوبر 2015 تعرض قطاع السياحة لضربة قاسية بعد سقوط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء، وهو الحادث الذي دفع روسيا وعدداً من الدول الأوروبية إلى تعليق رحلاتها السياحية إلى المقاصد المصرية.

 

وتسبب ذلك في خسائر قدرت بنحو 1.2 مليار دولار لقطاع السياحة، الذي يعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد، ما انعكس بصورة مباشرة على سوق العملات.

 

 

العاصمة الإدارية.. مشروع ضخم بتكلفة هائلة

 

مع إطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، دخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من الإنفاق على المشروعات العملاقة.

 

وتشير تقديرات إلى أن التكلفة الإجمالية للمشروع قد تصل إلى نحو 60 مليار دولار، بينما جرى تمويل عدد من المشروعات الرئيسية داخل العاصمة عبر قروض خارجية، إلى جانب مساهمات من الموازنة العامة، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على التمويل الأجنبي ورفع مستويات الدين الخارجي.

 

 

الاقتراض الخارجي.. تضخم غير مسبوق في الديون

 

ربما يمثل ملف الدين الخارجي أحد أبرز أسباب الضغوط المستمرة على الجنيه المصري.

 

فقد ارتفع الدين الخارجي من نحو 34.3 مليار دولار في منتصف عام 2012 إلى نحو 163.9 مليار دولار بنهاية عام 2025، وفق البيانات الرسمية.

 

ومع هذا الارتفاع الكبير، أصبحت خدمة الدين تمثل عبئاً متزايداً على الدولة، إذ تتجاوز الالتزامات المستحقة خلال عام 2026 نحو 50 مليار دولار، منها قرابة 24 مليار دولار خلال الربع الأول فقط، ما يزيد الطلب على الدولار بصورة مستمرة.

 

 

الأموال الساخنة.. نزيف متكرر للعملة الأجنبية

 

اعتمدت الحكومة خلال السنوات الماضية بصورة كبيرة على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية، وهي الأموال التي يصفها الاقتصاديون بـ"الأموال الساخنة" لسرعة دخولها وخروجها.

 

وعقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية خرجت من السوق المصرية استثمارات تراوحت بين 15 و18 مليار دولار خلال أسابيع قليلة في عام 2022.

 

وتكرر المشهد مرة أخرى في عام 2026، بعدما سجلت بيانات البنك المركزي خروج استثمارات أجنبية غير مباشرة بنحو 14.86 مليار دولار من أذون الخزانة، في أكبر موجة تخارج منذ عام 2022، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط على سوق الصرف.

 

 

الأزمات الإقليمية وتأثيرها على الاقتصاد المصري

 

لم تكن العوامل الداخلية وحدها وراء أزمة الجنيه، إذ لعبت التوترات الإقليمية والدولية دوراً مهماً في تعميق الأزمة.

 

فقد تأثرت إيرادات قناة السويس بصورة كبيرة نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، مع تقديرات تشير إلى خسائر تجاوزت 10.5 مليارات دولار، إضافة إلى تراجع تدفقات الاستثمار نحو الأسواق الناشئة وارتفاع الطلب العالمي على الدولار، وهو ما انعكس على الاقتصاد المصري.

 

 

فاتورة الاستيراد والطاقة.. ضغط إضافي على العملة

 

يضاف إلى ذلك استمرار ارتفاع فاتورة الواردات، خاصة في قطاع الطاقة، فقد ارتفعت فاتورة الطاقة من نحو 13 مليار دولار عام 2022 إلى ما يقارب 42 مليار دولار في عام 2026، فضلاً عن صفقات استيراد الغاز التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، وهو ما ساهم في زيادة الضغوط على الميزان التجاري وميزان المدفوعات، ومن ثم على قيمة الجنيه.