تحولت المجالس التصديرية في مصر من أدوات يفترض أن تقود اختراق الأسواق الخارجية وزيادة تدفقات العملة الصعبة إلى عنوان لمفارقة ثقيلة على الصناعة المصرية؛ فمن بين 13 مجلسًا تصديريًا، تعاني 12 منها من ميزان تجاري سلبي، بعدما تجاوزت واردات قطاعاتها قيمة ما تحققه من صادرات، في الوقت الذي لا تزال فيه الحكومة تتمسك بحلم الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات سنويًا.
المفارقة وضعت وزارة الصناعة أمام سؤال صعب: كيف يمكن مضاعفة الصادرات من نحو 48 مليار دولار إلى 100 مليار، بينما تعتمد غالبية القطاعات المصدرة نفسها على استيراد كميات ضخمة من الخامات والمكونات ومستلزمات الإنتاج؟ وهل يتحول رقم الـ100 مليار، في ظل هذه المعادلة، إلى انتصار شكلي تلتهمه فاتورة واردات قد تصل إلى 130 أو 140 مليار دولار؟.
الأزمة وصلت إلى مجلس النواب، حيث تقدم النائب أشرف أمين بطلب إحاطة إلى وزير الصناعة، منتقدًا الفجوة بين ما أنفقته الدولة على الموانئ والبنية الأساسية والمناطق اللوجستية وبين النتائج التصديرية الفعلية. وطرح أسئلة حول البيروقراطية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن، وتأخر مستحقات دعم الصادرات، وضعف النفاذ إلى أسواق جديدة، مطالبًا الحكومة ببرنامج زمني واضح ومؤشرات أداء يمكن محاسبة المسؤولين على أساسها.
بنية تحتية بمليارات الدولارات.. والصادرات عالقة عند 48 مليارًا
يرى النائب أشرف أمين أن الدولة وفرت خلال السنوات الماضية بنية أساسية ضخمة كان يفترض أن تمنح الصادرات المصرية دفعة كبيرة، من تطوير الموانئ إلى إنشاء المناطق اللوجستية وتحسين شبكات النقل، إلا أن الصادرات السلعية ظلت تدور حول مستوى 48 مليار دولار سنويًا.
ويعيد هذا التباين الجدل حول الحلقة المفقودة بين إنشاء الموانئ وبين قدرة المصنع نفسه على المنافسة. فالمصدر لا يحتاج فقط إلى رصيف حديث وسفينة تغادر في موعدها، وإنما إلى تكلفة إنتاج منخفضة، وإجراءات سريعة، وتمويل متاح، وشحن تنافسي، ورد سريع لمستحقاته لدى الدولة.
ويؤكد محمد الشويخ، الخبير في الملفات الاقتصادية والإنتاجية، أن زيادة الصادرات تتطلب دعم الصناعات القادرة على المنافسة خارجيًا، وتسهيل إجراءات الشحن والتصدير، وتقليل تكلفة المدخلات الصناعية، إلى جانب توسيع الاتفاقيات التجارية مع الأسواق المستهدفة. كما يرى أن البيروقراطية وتعقيد التراخيص والإجراءات يرفعان الوقت والتكلفة على المستثمر والمصنع.
وبذلك، لا تبدو أزمة الصادرات مرتبطة بنقص الخطط أو الشعارات، بقدر ارتباطها بما يواجهه المصنع يوميًا. فارتفاع تكلفة الطاقة والتمويل والخامات والشحن يمكن أن يفقد المنتج المصري قدرته على المنافسة، مهما كانت جودة الموانئ أو حجم المناطق اللوجستية.
كما تظل أزمة تأخر صرف مستحقات دعم الصادرات إحدى النقاط التي أثارها طلب الإحاطة، لما تمثله من ضغط على السيولة داخل الشركات. فالمصدر الذي يبني حساباته على استرداد جزء من أعبائه التصديرية يجد نفسه أمام دورة انتظار طويلة، في وقت يحتاج فيه إلى تمويل عمليات إنتاج وشحن جديدة.
ومن هنا جاءت مطالبة الحكومة بالكشف عن الأسواق الجديدة التي نجحت في فتحها، خصوصًا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بدلًا من الاكتفاء بإعلان المستهدفات العامة دون قياس واضح لما تحقق منها.
12 مجلسًا لديها عجز.. هل نصدر بـ100 مليار لنستورد بـ140؟
أشد أرقام الأزمة قسوة أن 12 مجلسًا تصديريًا من أصل 13 تعاني قطاعاتها من ميزان تجاري سلبي، بما يعني أن قيمة ما تستورده تتجاوز ما تصدره. وهي معادلة دفعت وزير الصناعة خالد هاشم إلى التحذير من أن الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات بالهيكل الصناعي الحالي قد يتطلب استيراد خامات ومستلزمات إنتاج بقيمة تتراوح بين 130 و140 مليار دولار.
ورغم تمسك الوزير بهدف الوصول إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، فإنه أكد أن زيادة الصادرات لا ينبغي أن تنفصل عن تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة وتقليص الفجوة بين الصادرات والواردات.
ويتفق شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، مع جوهر هذه المشكلة. إذ يرى أن الاعتماد المستمر على استيراد الخامات والمكونات يمثل العقبة الرئيسية، مشيرًا إلى أن المكونات المستوردة تمثل ما بين 40 و50% من مدخلات الصناعات الهندسية. ويؤكد أن خفض الواردات يبدأ بتصنيع الخامات والمكونات محليًا وجذب استثمارات في الصناعات المغذية، مع فتح أسواق جديدة، خصوصًا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
المشكلة إذن أن زيادة الصادرات وحدها قد لا تكون كافية. فإذا صدر مصنع منتجًا بقيمة مليون دولار لكنه استورد أغلب خاماته ومكوناته وآلاته بالدولار، فإن العائد الحقيقي للاقتصاد يصبح أقل كثيرًا من الرقم المسجل في بند الصادرات.
ولهذا تقوم الخطة الحكومية الجديدة، بحسب وزير الصناعة، على قاعدتين: الأولى تعميق التصنيع المحلي وإنتاج الصناعات المغذية والوسيطة داخل مصر، والثانية الوصول إلى ميزان تجاري إيجابي، بحيث لا تلتهم فاتورة استيراد الخامات كل ما تحققه الصادرات من عوائد دولارية.
خبراء: الـ100 مليار لن تأتي بالشعارات.. اصنعوا الخامات أولًا
تراهن وزارة الصناعة على إعادة تشغيل الأصول الصناعية المتوقفة، وربط المصنعين والموردين المحليين بمنصة إلكترونية، والتوسع في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وفي مقدمتها الملابس الجاهزة والغزل والنسيج والصناعات الغذائية والسيارات والأجهزة الإلكترونية والكهربائية.
كما تتضمن الخطة تركيب محطات طاقة شمسية على أسطح 7000 مصنع، بهدف خفض تكاليف الطاقة وتحسين قدرة المنتج المصري على المنافسة، وهي خطوة تعكس اعترافًا بأن تكلفة الإنتاج أصبحت جزءًا أساسيًا من أزمة التصدير.
لكن محمد البهي، خبير القطاع الصناعي، يرى أن جوهر الحل يبدأ من صناعة الخامات نفسها. ويشير إلى أن الاعتماد شبه الكامل على المواد الخام المستوردة يرفع تكلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية، بينما يؤدي تصنيع الخامات محليًا إلى خفض التكلفة وزيادة القيمة المضافة وفتح فرص أوسع أمام التصدير، خصوصًا إلى الأسواق العربية والإفريقية.
وتضع هذه الرؤية إصبعها على نقطة الضعف الأساسية في حلم الـ100 مليار دولار. فمصر لا تحتاج فقط إلى زيادة عدد الحاويات الخارجة من موانئها، وإنما إلى زيادة الجزء المصري داخل كل حاوية. وكلما زادت نسبة الخامات والمكونات المحلية في المنتج المصدر، زاد صافي ما يحتفظ به الاقتصاد من العملة الأجنبية.
لهذا يبدو رقم 12 مجلسًا تصديريًا بعجز تجاري أخطر من مجرد إحصائية. فهو يكشف أن غالبية القطاعات التي تراهن عليها الدولة لزيادة الصادرات لا تزال مرتبطة بدورة استيراد ضخمة، وأن مضاعفة الصادرات دون تغيير هذا الهيكل قد تعني ببساطة مضاعفة فاتورة الواردات أيضًا.
وبين مساءلة البرلمان ودفاع وزير الصناعة عن خطته، تبقى المعركة الحقيقية داخل المصنع: تخفيض التكلفة، وإنهاء البيروقراطية، وسداد مستحقات المصدرين، وتوطين الخامات والمكونات، وفتح أسواق جديدة. ودون ذلك، ستظل الـ100 مليار دولار رقمًا يتكرر في التصريحات، بينما تكشف المجالس التصديرية نفسها الحقيقة الأكثر إزعاجًا: 13 مجلسًا يفترض أن تقود التصدير، و12 منها لا تزال تستورد أكثر مما تصدّر.

